سلوك الإنسان .. بين ضوابط الشك وأمان الثقة

|

يحتاج الإنسان في حياته إلى ضوابط توجه سلوكه نحو الأفضل تجاه مختلف القضايا التي يواجهها سواء الشخصية أو الاجتماعية أو المهنية. فعلى المستوى الشخصي يحتاج إلى ضوابط تحميه من مضار يمكن أن يقع فيها كالتدخين أو الطعام غير الصحي أو غير ذلك. وعلى المستوى الاجتماعي يحتاج إلى ضوابط تمكنه من الالتزام بمتطلبات المجتمع الذي يعيش فيه، وحسن التعامل مع الناس، وبناء بيئة محبة وتواصل مع من حوله. وعلى المستوى المهني يحتاج إلى ضوابط توجهه نحو تنفيذ مهماته، وأداء واجباته؛ وتبعده عن كل أذى، وتنأى به عن كل فساد.
قد تكون الضوابط، بأبعادها الثلاثة الشخصية والاجتماعية والمهنية، ذاتية الطابع تطلقها قناعاته، وتمكنها إرادته، وتفعلها البيئة من حوله. وقد تكون أيضا قسرية الطابع تفرضها قوة خارجية، تتمتع بالسلطة، من أجل تأمين سلامة الإنسان، وخير المجتمع، وضمان إنتاجية العمل المهني ونجاحه. ولا شك أن الضوابط الذاتية عندما تمارس على أرض الواقع تعطي أمان الثقة بصاحبها، وتعزز مكانته بين الناس، ناهيك عن الرضا وراحة البال التي يجنيها تجاه نفسه. أما الضوابط القسرية فقد يرى فيها الإنسان انعكاسا للشك والريبة، بمعنى أن يجدها وسائل تفترض الشك والريبة، وتسعى إلى ضمان استقامة الأمور.
الضوابط الذاتية صفات محمودة لا خلاف عليها؛ لكن الخلاف يأتي على مدى الشك في رؤية المجتمع لموثوقيتها في تقويم سلوك الإنسان في قضايا الحياة المختلفة، وكذلك على مدى قناعته بالحاجة إلى ضوابط قسرية، إلى جانب الضوابط الذاتية. والشك هنا يعني أن هناك مخاطرة، إن لم تتخذ الاحتياطات الواجبة من خلال وضع ضوابط قسرية. وترتبط المخاطرة عادة باحتمالات حدوث أمر سلبي يؤدي إلى خسائر. فإذا كان احتمال حدوث هذا الأمر السلبي ضئيلا، وكانت الخسائر المتوقعة عن ذلك متواضعة أيضا، فقد لا يكون هناك داعٍ للضوابط القسرية، لأن تكاليف مثل هذه الضوابط قد تكون أكبر. يضاف إلى ذلك إمكان إعطاء "الضوابط الذاتية" اهتماما أكبر والعمل على بناء بيئة ثقة مناسبة تعززها وتشد أزرها.
ولعلنا، قبل أن نطرح رأيا بشأن الضوابط الذاتية المرتبطة بالثقة والضوابط القسرية المتعلقة بالشك، نطرح مثالا واقعيا حول كل منهما. فإذا بدأنا بالضوابط القسرية، نستطيع أن نستعيد المشهد الذي يمكن أن نراه عند مدخل أي مؤسسة، سواء حكومية أو خاصة، في أوقات بدء العمل فيها في الصباح، ثم عند نهايته بعد الظهر.
نجد في هذا المشهد ضوابط قسرية تتمثل في وسائل ترصد زمن حضور الموظفين وزمن انصرافهم. وقد تتضمن مثل هذه الوسائل: دفاتر ورقية للتوقيع، أو بطاقات كرتونية أو إلكترونية، أو ربما أجهزة بصمات مثل أجهزة بصمات الأصابع أو ربما كاميرات لبصمات العيون. وبالفعل تضبط مثل هذه الوسائل زمن وجود الموظفين على رأس عملهم، بنسبة مرتفعة؛ ليس فقط مقابل تكاليف هذه الوسائل ومتطلبات تشغيلها وصيانتها، بل مقابل قليل أو كثير من الإحباط الذي يشعر به كثيرون، الذي قد يؤدي إلى إضعاف إنتاجيتهم، خصوصا أولئك الحريصين على العمل الذين يتمتعون بضوابط ذاتية عالية.
وتبرز هنا مسألة مهمة تتعلق بضوابط رجال الأعمال في القطاع الخاص، في مقابل الموظف سواء في القطاع العام أو في القطاع الخاص. رجل الأعمال يكون عادة حريصا على عمله يتمتع بضوابط ذاتية عالية نابعة من شعوره بالمسؤولية في نجاح عمله، ولا يحتاج إلى ضوابط قسرية تضبط حضوره وغيابه أو حتى إنتاجيته. أما الموظف، فإذا كان يتمتع برضا وظيفي مرتفع، ويشعر بمشاركته في المسؤولية عن نجاح المؤسسة التي يعمل فيها، فإنه يمكن أن يكون كرجل الأعمال صاحب المؤسسة في الالتزام بضوابط ذاتية تعزز الثقة وتفعِّل العمل والعطاء.
ومن مشهد الضوابط القسرية، ننتقل إلى مشهد آخر استطاع أن يطلق الضوابط الذاتية لدى الناس، وتحدثت عنه وسائل الإعلام بإعجاب وإطراء. المشهد هو "صندوق الثقة" في أحد مخابز مكة المكرمة. فقد استبدلت إدارة المخبز صندوق المحاسبة الذي يتلقى ثمن المبيعات، بصندوق أسمته "صندوق الثقة"، وتركت للزبائن حرية دفع ثمن المبيعات دون حسيب أو رقيب. ولكل أن يأخذ ما يريد ويدفع ما يريد عاجلا أو آجلا، أو ربما لا يدفع نهائيا، إذا أراد ذلك، لأي سبب من الأسباب. وكانت النتيجة، كما يقول أحد أصحاب المخبز، إن حصيلة "صندوق الثقة" الجديد تجاوزت حصيلة "صندوق المحاسبة" السابق لأن بعض الزبائن لم يدفعوا ما عليهم فقط، بل زادوا على ذلك إعجابا بمشهد الثقة الذي يجمع القلوب.
قد لا نستطيع أن نبتعد كثيرا عن الضوابط القسرية في مختلف قضايا الحياة، لكننا نستطيع بوسائل مختلفة أن نقترب أكثر من الضوابط الذاتية. وكلما استطعنا الاقتراب من الضوابط الذاتية، تمكنا من الابتعاد عن الضوابط القسرية. وفي العمل على الاقتراب من الضوابط الذاتية، هناك عوامل أربعة رئيسة مؤثرة في سلوك الإنسان ينبغي أخذها في الاعتبار. أول هذه العوامل هو جوهر شخصية الإنسان ونشأته ومنطلقاته؛ وثاني هذه العوامل هو ما ينهله من تعليم وثقافة؛ وثالثها ما يكتسبه من خبرة في بيئة الحياة العامة؛ أما رابعها فهو البيئة الخاصة المحيطة به، سواء المهنية أو الاجتماعية.
في نشأة الإنسان، هناك ضوابط ذاتية في أخلاقيات ومبادئ الدين الحنيف. وهناك مثل ذلك أيضا في تعليم الإنسان وثقافته. ويأتي الإشكال المهم في كل من البيئة العامة والبيئة الخاصة، حيث يبدأ بالتأرجح بين الثقة وكفاية الضوابط الذاتية من جهة، وبين الشك والحاجة إلى ضوابط قسرية من جهة ثانية. فالبيئة العامة السليمة حول الإنسان تفعّل الأخلاقيات والمبادئ لديه، وتعزز جانب الثقة؛ وكذلك الأمر في البيئة الخاصة السليمة. وبالطبع يحد أي خلل في أي منهما من الثقة، ليبرز الشك والحاجة إلى الضوابط القسرية. ولعل للإعلام وبحوث الابتكار الاجتماعي دورا مهما في طرح مشاكل البيئة، بجانبيها العام والخاص، والسعي إلى معالجتها من أجل اقتراب أكثر من الضوابط الذاتية وابتعاد أكبر عن الضوابط القسرية.

إنشرها