FINANCIAL TIMES

أرباح «سامسونج» القياسية تخفي أزمة تلوح في الأفق

عندما تُوّجت سامسونج إلكترونيكس باعتبارها مجموعة التكنولوجيا الأكثر ربحاً هذا الصيف، كان ذلك حدا فاصلا في تاريخها، يعكس عقودا من التحول من كونها مُقدّمة للسلع الاستهلاكية الرخيصة إلى اسم يدور على كل لسان.
أشارت المجموعة يوم السبت إلى أن سلسلة نجاحاتها ستستمر، متوقعة أرباحا قياسية تبلغ 14.5 تريليون وون (12.8 مليار دولار) في الربع الثالث - ما يُقارب ثلاثة أضعاف الرقم عن الفترة نفسها في العام الماضي.
لكن كان هناك قلق فوري بشأن المستقبل، مع تغيير بين الأجيال في القيادة أثارته الاستقالة الصادمة لرئيس مجلس الإدارة، كوان أوه هيون، الذي يقود أيضاً القسم الأكثر نجاحاً: أشباه الموصلات.
قال كوان: "في الوقت الذي نواجه فيه أزمة غير مسبوقة في الداخل والخارج، أعتقد أن الوقت قد حان الآن لتبدأ المجموعة من جديد، بروح جديدة وقيادة شابة".
كان يُشير إلى المشاكل الناجمة عن سجن قائد المجموعة، لي جاي يونج، الشهر الماضي بتهمة الفساد، فضلاً عن التحدّي الخارجي. فعلى حد تعبيره، "سامسونج لم تكُن قادرة حتى على الاقتراب من إيجاد محركات نمو جديدة من خلال قراءة الاتجاهات المستقبلية".
المجموعة - جوهرة التاج في تكتل سامسونج - حددت طموحاتها في عدد من التكنولوجيات المتطورة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والقيادة الذاتية، والمنازل والأجهزة المتصلة بالإنترنت. لكن يبقى المحللون حذرين، ويشعر كثير منهم بالقلق حول قدرة شركة صناعة الهواتف الذكية على اتّخاذ قرارات مهمة طويلة الأجل بعد سجن رئيسها.
قال كيم يونج وو، المحلل في "إس كيه سيكيوريتيز": "هناك علامة استفهام كبيرة حول إمكانات نمو سامسونج على المدى الطويل. المستثمرون لا يعرفون شيئا حول محركات النمو الجديدة، لأن الشركة لا تُقدّم أي مخططات، خاصة منذ سجن لي جاي يونج".
وعلى الرغم من أنها تشتهر بهواتف جلاكسي الذكية، إلا أن ربحية سامسونج القياسية كانت تتغذى من استثمارات حصيفة في صناعة الرقائق ضخها، منذ أعوام، لي كون هي - والد لي جاي يونج ورئيس مجلس الإدارة الاسمي لسامسونج. اليوم، القطاع في خِضم "دورة فائقة" تشهد طلبا متزايدا على الهواتف الخليوية الأكثر قوة وعلى الأجهزة المتصلة بالإنترنت.
هذا الصيف أنهت المجموعة سيطرة "إنتل" التي دامت ربع قرن على عرش صناعة الرقائق، مستفيدة من ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة "درم" و"ناند" الخاصة بها. ويعتقد كثيرون الآن أن سامسونج تستطيع، على الأقل على المدى المتوسط، ركوب هذا الزخم واستخدام براعتها في صناعة الرقائق لاقتحام مجالات نمو جديدة.
مارسيلو أهن، مدير صندوق في "كواد إنفيستمنت"، يقول: "توقعات أعمالها في مجال الذاكرة جيدة جداً. تستطيع سامسونج في الواقع التقدّم في مجالات جديدة من خلال الاستفادة من قوتها في أعمال الرقائق القائمة، في الوقت الذي ندخل فيه حقبة جديدة ستكون سعة الذاكرة فيها مهمة فعلاً".
ويضيف: "ستكون شركات التكنولوجيا العملاقة العالمية مثل جوجل، وأمازون وفيسبوك بحاجة إلى مزيد من الرقائق المخصصة من سامسونج، في الوقت الذي تبني فيه مراكز بيانات عالية الأداء على نطاق واسع". ويتابع: "ستكون بحاجة ماسة للمساعدة من شركات صناعة رقائق الذاكرة من أجل سعة تخزين أكبر وخدمات سحابة متميزة".
قوة سامسونج في صناعة الرقائق من المرجح أيضاً أن تُساعد طموحاتها في سيارات القيادة الذاتية. لي سونج وو، المحلل في يوجين للاستثمار والأوراق المالية، يُقدّر أن القيادة الذاتية ستتطلب بحلول عام 2020 أربعة آلاف جيجابايت من البيانات لكل سيارة في اليوم، ما يعني "سعة ذاكرة ضخمة. ومن خلال الاستفادة من تكنولوجيا الرقائق الخاصة بها، ينبغي لسامسونج التركيز على المكونات الضرورية لتخزين البيانات، بدلاً من تكنولوجيا القيادة الذاتية نفسها".
تقول سامسونج إنها لا تنوي تصنيع سيارات ذاتية القيادة خاصة بها. لكنها كانت تختبر برمجيات القيادة الذاتية التي تعتمدها سيارات هيونداي على الطُرق في كوريا الجنوبية وكاليفورنيا. في إحدى الصفقات في العام الماضي، اشترت المجموعة التي يوجد مقرها الرئيس في سيئول، شركة تزويد مكونات السيارات الأمريكية "هارمان إنترناشونال"، وهي خطوة تعتقد سامسونج أنها ستمنحها ميزة في تكنولوجيات السيارات المتصلة بالإنترنت.
يقول بيتر يو، المحلل في "بي إن بي باريبا": "في المستقبل ستكون السيارة بمثابة خادم كمبيوتر عالي الأداء مع عجلات. تستعد سامسونج لتُصبح اللاعب الرئيس في عصر القيادة الذاتية، على الرغم من أن الأعمال الجديدة من غير المرجح أن تولّد مبيعات على الفور".
ويتابع: "تتطلب القيادة الذاتية قوة ضخمة على صعيد معالجة البيانات وسامسونج تستطيع توفير المكونات الأساسية، بما في ذلك أجهزة الاستشعار، ورقائق التخزين، والكاميرات والشاشات".
وتقول الشركة إنها ستستمر في الاستثمار في مجال الأبحاث والتطوير، مُشيرةً إلى إنفاق يزيد على 12 مليار دولار في العام الماضي، وفي الوقت نفسه الاستثمار في اكتساب قدرات جديدة.
مع ذلك، لا يزال كثير من المستثمرين متشككين للغاية في ما إذا كانت سامسونج تملك الكفاءات اللازمة للدخول في أعمال مدفوعة من البرمجيات، مثل القيادة الذاتية أو الأجهزة المنزلية المتصلة بالإنترنت.
يقول كيم: "لتطوير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيات إنترنت الأشياء، تحتاج سامسونج إلى الاستحواذ على شركات صناعة البرمجيات التنافسية لتعويض ضعفها في هذا المجال. لكن من الصعب توقع أي عمليات اندماج واستحواذ على نطاق واسع طالما لا يزال لي في السجن".
مثل هذه التعليقات تتكرر في أنحاء كوريا الجنوبية كافة، إذ يعتقد كثيرون أن الحكم على لي يُمكن أن يقوّض عملية صُنع القرار في مجموعة تشتهر بأسلوب إدارة "شبيه بالإمبراطور".
يقول كيم وو تشان، أستاذ الأعمال في جامعة كوريا: "لا بد أن هذه لحظة مخيفة جداً بالنسبة للتنفيذيين في سامسونج"، مُشيراً إلى تردد كبار المسؤولين في سامسونج في اتخاذ قرارات تنفيذية.
وحُكم على لي، نائب رئيس مجلس الإدارة، في آب (أغسطس) الماضي بالسجن خمس سنوات بتهمة تقديم رشوة لرئيسة البلاد المقالة، بارك جيون هاي. وبعد أيام من الحُكم، اعترف أحد التنفيذيين "بمختلف المشاكل المتعلقة بإطلاق الاستثمارات في المستقبل".
يقول يو: "صناعة التكنولوجيا ستتغير بسرعة كبيرة في الأعوام المقبلة. التغييرات على مدى الأعوام القليلة المقبلة ستأتي بشكل أسرع وستكون أكثر حدة من تلك التي حدثت خلال العقد الماضي".
"لذلك سيكون من الصعب على سامسونج التعامل مع مثل هذه التغييرات السريعة من خلال النمو العضوي فقط. هناك حاجة إلى عمليات اندماج واستحواذ أكثر وأسرع من أجل احتضان البيئة سريعة التغير، وسامسونج بحاجة إلى برج مراقبة لقيادة وتنسيق (...) تطوّر التكنولوجيا".
وقالت المجموعة إن لي "لا يُشارك في العمليات اليومية، لكنه يلعب دوراً مهماً في صناعة القرارات الاستراتيجية للشركة المتعلقة بالنمو المستقبلي والتحالفات التجارية".
في الوقت نفسه، انتعش فرع الهاتف الخليوي في سامسونج بسرعة من نكسة العام الماضي، عندما سحبت الشركة جهازها المميز "نوت 7" بعد احتراق المئات منه.
ويتوقع محللون أن يُعلن القسم عن أرباح تشغيلية بقيمة 3.1 تريليون وون في الربع الثالث، مقارنة بـ 100 مليار وون قبل عام - وذلك بسبب السحب العشوائي والإنهاء اللاحق للأجهزة المُعرّضة للاشتعال.
وسجلت الشركة أرباحاً تشغيلية بلغت 3.5 مليار دولار في الربع الثاني بفضل مبيعات قوية لهاتفها الذكي الرائد S8، بينما حقق جهاز "نوت 8" الذي أُطلق أخيرا أداء أفضل مما كان متوقعاً ومن المرجح أن يبيع عشرة ملايين وحدة هذا العام.
وتم هذا الأسبوع تسليط الضوء على ضعف سامسونج إلكترونيكس في البرمجيات والذكاء الاصطناعي مقارنة بمنافساتها، من خلال نقل أحد خبراء وادي السليكون، جوا، لتحسين المساعد الصوتي "بيكسبي" الخاص بها.
إجابة سامسونج على نظام "سيري" من أبل تم دمجها في الهاتف الخليوي S8، لكن المستخدمين وأصحاب مدونات التكنولوجيا انتقدوا الوظيفة المحدودة للأداة. قال لي سونج وو، المحلل في "يوجين إنفيستمنت": "بيكسبي لم يُحقق توقعات السوق والزبائن".
ويوم الخميس قالت الشركة إن المساعد الصوتي "لا يزال قيد التطوير. نحن نعمل على جبهات متعددة لجعله أفضل".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES