FINANCIAL TIMES

الصين .. استمرار إصلاحات دينج الاقتصادية غير مؤكد

في أول زيارة له أمينا عاما للحزب الشيوعي الصيني، سافر الرئيس تشي جينبينج إلى مدينة شينزن الجنوبية في كانون الأول (ديسمبر) 2012 ووضع إكليلا من الزهور على تمثال برونزي، أكبر من الحجم الطبيعي، لدينج زياو بينج.
تكريم تشي لدينج الذي استخدم شينزن حقل تجارب لإصلاحاته الاقتصادية التاريخية، بدا وكأنه إشارة إلى استمرارية تطبيق سياسات الأب المؤسس للصين الحديثة. قال تشي: "يجب على الحزب الشيوعي الالتزام بالمسار الصحيح للإصلاح والانفتاح. يجب علينا ألا نتزعزع في طريقنا إلى تحقيق بلد مزدهر وشعب مزدهر".
بينما يبدأ الرئيس تشي رئاسة مؤتمر للحزب يبدأ اليوم، ويصادف بداية فترة ولايته الثانية، السؤال هو ما إذا كان الزعيم الصيني يعتزم استخدام سلطته لمواصلة إرث دينج المتمثل في "الانفتاح" أو ما إذا كان سيسعى بدلا من ذلك إلى تطبيق جدول أعمال أضيق يتمثل في الدفاع عن موقف الحزب الحاكم وحلفائه.
يقول أنصار الرئيس إن حملة مكافحة الفساد العاتية التي يشنها والدفاع القوي عن المطالب الإقليمية للصين تتمتع بدعم شعبي، الأمر الذي سمح له بتجميع رأسمال سياسي مهم. خلال فترة ولايته الأولى كان تشي محاطا إلى حد كبير برجال ونساء كانوا موجودين منذ عهد أسلافه. لكن بعد أن يأخذ "الفريق أ"، التابع له، مواقعه عقب مؤتمر الحزب الحالي سيبدأ أخيرا، كما تقول الحجة، في تحقيق النتائج بخصوص التحديات الاقتصادية والمالية الصعبة.
مع ذلك، أشار تشي أيضا إلى أنه يعتزم أن يحوم ظله فوق فترة جديدة في تاريخ الصين الحديث تختلف عن الفترات التي حددها كل من دينج وماو تسي تونج، الزعيم الثوري للحزب. يقول لي تشياجوانج، الأستاذ في جامعة تشينجهوا في بكين وأحد المعجبين بالرئيس تشي: "تغلب ماو على الغزاة الأجانب وقهر دينج الجوع. تشي يتحدث حول أن تكون لدينا الثقة بنظامنا (الاقتصادي والسياسي).. إنها فتح تام".
في اختلاف واحد كبير عن عهد دينج، أقدم تشي بشكل متعمد على طمس معالم تقسيم العمل بين الحزب والدولة، التي أحدثها دينج، وفي الوقت نفسه عمل على إيقاف، أو عكس اتجاه سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية بمجرد أن واجهتها الاضطرابات.
وقد أحدث ذلك همهمات في بكين بأن تشي أثبت أنه متمكن من ديناميات القوة الداخلية للحزب، شهد عمليات تطهير لمنافسيه وإجبار الآخرين على الإذعان له. لكن عندما يتعلق الأمر باستخدام سلطته المتراكمة لدفع تنفيذ الإصلاحات الصعبة، كما فعل دينج، يجادل منتقدو الرئيس بأنه نمر من ورق.
يقول أحد الأشخاص ممن يقدمون النصح والمشورة لصناع السياسة في الصين، لكنه يحذر بدوره من الدور السلطوي الذي اتخذته البلاد: "يعلم تشي، كما قال ميكافيلي، أن من الأفضل أن تكون شخصا يهابه الناس، بدلا من أن تكون شخصا يحبه الناس. لكن من حيث كونه استراتيجيا، تشي أصغر حجما بكثير من ماو ودينج في كل مجال". ويضيف: "نادرا ما كان دينج يتولى زمام كل الأمور - وماو لم يفعل ذلك قط. كانا مسؤولين فقط عن الأمور الكبيرة. أما تشي فهو يتولى بنفسه أمر كل شيء، كل صغيرة وكل كبيرة".
ويتابع: "كان كل من دينج وماو يهتم بالمضمون أولا. أما تشي فيتخوف من المظهر. عندما كان كل من ماو ودينج يتخذ أي قرار، كانا يلتزمان به لأن الأمر يمكن أن يستغرق سنوات لتلمس الآثار الحقيقية للنضال".

أهم الرجال
سيتم الكشف عن طموحات تشي في مؤتمر الحزب التاسع عشر هذا الأسبوع، الذي يشهد ترشيحه لفترة ولاية ثانية أمينا عاما للحزب. وفترة ولايته الثانية رئيسا للدولة لن تبدأ رسميا حتى آذار (مارس)، عندما يتم "البصم" على حكومته من قبل الدورة السنوية للبرلمان.
في أحد الطقوس السياسية التي لا تنافسها إلا الطقوس التي تحيط بعملية اختيار بابا جديد، بعد نحو أسبوع من المداولات، سيسير الرئيس تشي وفريق القيادة الجديد التابع له نحو المسرح وسيقف أمام وسائل الإعلام العالمية.
حتى عدد المقاعد الموجودة في اللجنة الدائمة التابعة للمكتب السياسي، أقوى هيئة في الحزب، لن يكون معروفا حتى اللحظات الأخيرة. قبل لحظات من تقديم اللجنة الدائمة السابقة لهذه الطقوس في عام 2012، كان الدليل الوحيد على أن عدد المقاعد تم تقليصه من تسعة إلى سبعة هو قطع اللاصق الصغيرة التي أشارت إلى المكان الذي من المفترض أن يقف فيه الأعضاء الجدد.
عندما ظهروا بالفعل، كان ستة من الرجال السبعة، بمن فيهم تشي، يرتدون بدلات داكنة وربطات عنق حمراء. فقط وانج كي شان، الرئيس القوي لحملة تشي لمكافحة الفساد، هو من اختلف في زيه من خلال ربطة عنق زرقاء اللون.
يقول تشي يينهونج، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين في بكين، إن هيمنة تشي هي من النوع الذي يشبه "تخمين من هو الشخص الذي سيكون عضوا في اللجنة الدائمة المقبلة هو إلى حد ما أمر ليس بذي بال – كل واحد منهم سيكون من رجال تشي. الجميع يمكن الاستغناء عنه، باستثناء تشي".
الاستثناء الوحيد الممكن للتصور السائد بأن "تشي هو فقط المهم" هو وانج، الذي يعد أيضا أبرع تكنوقراطي مالي في الحزب. بعد أن بلغ 69 عاما من العمره، فإن إعادة تعيينه في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي - واحتمال ترفيعه لمنصب رئيس الوزراء، ليحل مكان لي كيه تشيانج – هي موضع ترحيب على نطاق واسع من قبل المسؤولين الإصلاحيين والقطاع الخاص، ودلالة على تصميم تشي على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
يقول أحد كبار التنفيذيين الصينيين في إحدى الشركات في بكين: "الجميع يأمل بأن يبقى وانج، ويبدو أن احتمال بقائه أكبر من احتمال خروجه في الوقت الحاضر. لكن تشي وحده هو الذي يعلم ذلك". وفقا لتقليد غير رسمي يُعمل به منذ عام 2002، أعضاء الكادر الذين تزيد أعمارهم على 68 عاما غير مؤهلين لإعادة تعيينهم في مناصب في الحزب. إذا خرق تشي هذا التقليد من خلال الاحتفاظ بوانج، فمن المحتمل أن تسمح له هذه السابقة بتولي فترة ولاية ثالثة أمينا عاما للحزب ـ من عام 2022 إلى عام 2027.
التقى وانج أخيرا بعدد من الشخصيات الدولية المرموقة، بمن فيهم لي هسين لونج، رئيس وزراء سنغافورة، وستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأمريكي، ما أثار تكهنات بأنه ليس على وشك التنحي.

الزعيم المفكر
من المتوقع أن يدشن مؤتمر الحزب هذا الأسبوع "فكر تشي جينبينج" بحيث يصبح ضمن دستور الحزب، ليكون الإضافة الثالثة "بالاسم" فقط، جنبا إلى جنب مع فكر ماو تسي تونج ونظرية دينج زياو بينج. وسيعمل المؤتمر أيضا على ملء مقاعد اللجنة المركزية (تتألف تقليديا من نحو 200 عضو)، والمكتب السياسي (25 عضوا)، واللجنة الدائمة من الموالين للرئيس تشي.
إذا تمت كتابة اسم تشي في دستور الحزب، جنبا إلى جنب مع كل من ماو ودينج، سيؤدي ذلك إلى تعزيز قبضته أكثر، بعد عام فقط على تعيينه رسميا "الزعيم الأساسي" للصين. في وقت سابق من عام 2016 أضاف أيضا لقب "القائد الأعلى" للقوات المسلحة الصينية، وهو منصب لم يكن موجودا رسميا منذ عام 1954.
لكن مثل هذا التفخيم يراه بعضهم علامة على وجود ضعف وليس قوة. أشار دينج إلى هذه النقطة بالضبط في خطاب ألقاه في عام 1980 تناول فيه العلاقة بين الحزب والدولة. قال: "الإفراط في تركيز السلطة من شأنه أن يؤدي إلى حدوث ارتفاع في الحكم التعسفي من قبل الأفراد على حساب القيادة الجماعية".
كان دينج يحظى بالأمن الكافي في منصبه، بحيث تمكن من السيطرة على السياسة الصينية في الفترة من منتصف ثمانينيات القرن الماضي حتى نهايتها، في الوقت الذي كان لديه منصب رسمي واحد فقط - رئيس اللجنة العسكرية المركزية التابعة للحزب، التي تشرف على جيش التحرير الشعبي.
استمر حكم دينج حتى العقد التالي دون حتى الحصول على هذا اللقب الرسمي. في عام 1992 عمل على إعادة إحياء برنامجه للإصلاح الاقتصادي الذي كان قد توقف بعد أن أمر جيش التحرير الشعبي بأن يسحق احتجاجات الطلاب في ميدان تيانانمين في عام 1989. وتمثال دينج الذي زاره تشي في كانون الأول (ديسمبر) 2012 تم نصبه تخليدا لذكرى الـ "الجولة الجنوبية" التي قام بها الزعيم الراحل في مدن ضمت كلا من شينزن وشنغهاي.
يقول جود بلانشيت، المحلل في "مجلس المؤتمر"، الذي يؤلف الآن كتابا حول السياسة الصينية الحديثة، إن حرص تشي على طمس الحدود الواضحة بين الحزب والدولة "يعد توبيخا مباشرا لفكرة الإصلاح السياسي التي تبناها دينج".
مثلا، عمل تشي على تقليص السلطة التقليدية لرئيس الوزراء ومجلس الدولة على الاقتصاد من خلال توَلي مسؤولية "الجماعات القيادية في الحزب" التي كانت تسيطر على كل صغيرة وكبيرة في إدارة السياسة المالية والاقتصادية منذ عام 2015، عندما أمر لي، رئيس الوزراء، بإجراء عملية إنقاذ فوضوية لأسواق الأسهم الصينية الآخذة في الانهيار آنئذ.
وفقا لاثنين من الأشخاص المقربين من جدل السياسة الداخلية في ذلك الوقت، اعتقد المسؤولون الرسميون في الجماعات القيادية التي كان يشرف عليها تشي أن تدخل مجلس الدولة في السوق من شأنه أن يأتي في النهاية بنتائج عكسية ويسمح للجماعات بمزيد من القوة.
يقول أحد المسؤولين في الحكومة إنه يشعر الآن بالقلق من أن لي يعتبر على نطاق واسع "رئيس الوزراء الأضعف في تاريخ جمهورية الصين الشعبية".

أسس أكثر ثباتا
على عكس الإصلاحات المحفوفة بالمخاطر، لكنها في النهاية ناجحة، التي أطلقها دينج، عمل تشي منذ عام 2013 على عكس مسار عدد من إصلاحات التحرير المالي التي تم تحقيقها بشق الأنفس في أول بادرة لوجود حالة من عدم الاستقرار، ولا سيما بعد انهيار سوق الأسهم في عام 2015 والطلب المتواصل على العملة الصينية في وقت مبكر من عام 2016. وفي الآونة الأخيرة شنت إدارته حملة على الاستثمارات المباشرة في البلدان الأجنبية من قبل مؤسسات كبيرة مملوكة للدولة ومجموعات في القطاع الخاص كان قد تم تشجيعها على "الذهاب إلى الخارج".
أدى هذا إلى الشعور بخيبة أمل لدى بعض المسؤولين الذين يشعرون بأن تشي لم يواصل الخطاب المؤيد للإصلاح الذي جاء في وثيقة سياسة الحزب البارزة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، التي أعلنت أن السوق يجب أن تلعب "دورا حاسما" في الاقتصاد، وفي دفاعه عن نظام تجاري عالمي مفتوح في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في كانون الثاني (يناير).
في آخر تقييم له للصين، استعرض صندوق النقد الدولي سجل إدارة تشي في 14 تحديا تتعلق بتخفيض ديون الشركات، والمخاطر المالية، وتخفيف الضوابط على النقد الأجنبي، وإصلاح الشركات المملوكة للدولة. وخلص الصندوق إلى أن تشي لم يحقق سوى "بعض" التقدم، أو حقق تقدما "محدودا" في 12 من هذه المجالات.
ركز تشي على دمج الشركات الكبيرة المملوكة للدولة لتصبح شركات حتى أكبر حجما من قبل، ما زاد من قبضتها على ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وبدلا من فتح القطاعات التي تهيمن عليها الدولة بالفعل، تم تشجيع الشركات الخاصة بدلا من ذلك على اتخاذ حصص أقلية فقط في حفنة من الشركات المملوكة للدولة وفي مشاريع البنية التحتية التي تقودها الدولة.
كتب توني سايتش، وهو خبير في القيادة الصينية في جامعة هارفارد، في إحدى الصحف أخيرا إن "الأسئلة الحرجة تتعلق بما إذا كان تشي سيكون قادرا، أو مستعدا لاستخدام سلطته المتراكمة بشكل فعال ولأي غرض".
للتدليل على عزم تشي على مواصلة الإصلاحات، يشير المدافعون عنه إلى سلسلة من التعيينات الرئيسة في الهيئات المصرفية والهيئات الرقابية في الصين، فضلا عن "اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح". وبعض هؤلاء من الرجال الذين عمل معهم الرئيس سابقا في المقاطعات. وهناك آخرون يحظون باحترام كبير وحماية من رئيس الوزراء السابق، تشو رونغ جى، الذي تفاوض عام 2001 على دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية وأشرف على إصلاحات شاملة للشركات والمصارف المملوكة للدولة. يقول مسؤول حكومي رفيع: "ليس من السهل أن تُقِيم مكانة لنفسك على أنك جوهر الحزب"، ويجادل بأن تشي اضطر إلى تدعيم السلطة واستعادة الثقة في قوة نظام الحزب والدولة في الصين قبل التصدي لإصلاحات تنطوي على زعزعة الاستقرار.
ويضيف: "نستخلص الدروس من نقاطنا المرجعية التي تخصنا نحن أن الصين تحقق أفضل أداء لها في ظل حكومة مركزية قوية وقائد قوي وأيديولوجيا موحدة. ثم ستزدهر البلاد".
وانعكاسا لذلك تبنى تشي "عقيدة الثقة" التي تعتز بالاقتصاد السياسي الفريد لحزب الدولة الصينية. بداية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الفوضوية في منصبه والمشاجرات الناجمة عن قرار بريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي جعلت بكين على قناعة غير مسبوقة بنظامها السياسي وأنموذجها في التنمية الاقتصادية.
يقول البروفسور شي، من جامعة رينمين: "لدى تشي مشاكل ليتعامل معها، لكن انظر إلى ما يجري في الولايات المتحدة. رئيسهم مجنون، والكونجرس منقسم، والناس منقسمون، في حين أن أوروبا لديها مشكلة في الملاءة. يعتقد تشي أن الصين ستظل نشطة وقوية وصاعدة. ولديه أمل كبير في أن يتحقق الانتعاش الوطني للصين بشكل أساسي بحلول نهاية فترة ولايته".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES