عندما صاح الديك الفرنسي

|

أعلن البنك الفرنسي عن كشف حالة "تجاوزات" مالية في صرف المكافآت لبعض موظفي البنك، التي تم على أثرها إقالة بعض الموظفين وإحالتهم إلى النيابة العامة، هذا الخبر هز المجتمع المالي وأصاب الكثيرين بالدهشة، وذلك بسبب ارتكاز أغلب الناس إلى معلومة عن صرامة وقوة الرقابة من قبل مؤسسة النقد، لذلك لم يتوقع الكثيرون إمكانية حدوث مثل هذه التجاوزات بسهولة، بل خلال عدة سنين ومع بنك لديه شريك أجنبي يعد من أكبر بنوك العالم، حيث المتوقع مزيد من الرقابة والاستفادة من الخبرات لدى الشريك لضبط الأنظمة الداخلية، إذن ما الذي حدث وكيف حدث؟ إن من الطبيعي أن يكون لأي تحايل أو تلاعب سابقة يتم بعدها الاستفادة من الدرس وتعديل الأنظمة ليتم تفادي مثل هذه المشكلات، أعتقد أن ما حدث مع الفرنسي هو حادثة جديدة تماما ومبتكرة وعليه أتوقع أن يتم إدراجها من ضمن ما يتم تدريسه لطلاب المالية والمحاسبة وللمتخصصين في المراجعة بشكل عام.
كمحاولة فهم كيف حدثت؟ ولماذا لم تكتشف؟، يجب علينا فهم الطريقة التي يتم بها العمل "بالشكل الطبيعي والنظامي" داخل المصارف لصرف المكافآت للموظفين، هنالك لجنة تسمى بلجنة المكافآت والترشيحات منبثقة عن مجلس الإدارة، إحدى مهامها تحديد حجم المبالغ التي تصرف من أرباح البنك كمكافآت وخصوصا للإدارة العليا ولأي مبلغ كبير يصرف كمكافأة، بعد اعتمادها من اللجنة تذهب إلى الموارد البشرية لتقوم بتوزيعها حسب الأنظمة واللوائح على الموظفين ويرفع بعد ذلك بيان بأوامر الصرف إلى الإدارة المالية ليتم دفعها بشكل نهائي إلى حسابات الموظفين.
هذا بشكل مختصر وبعيد عن كثير من التفاصيل الأخرى ما يحصل لاعتماد وتوزيع المكافآت، إذن وحسب بيان البنك هنالك كما يسميها البيان "تجاوزات" "وهي تسمية ملطفة ومهذبة لما حصل" في إعطاء هذه المكافآت، معنى هذا الكلام أنه تم صرف المبالغ من قبل "الإدارة المالية" على أنها مكافآت لكن من دون اعتمادها من لجنة المكافآت ومن دون علم الموارد البشرية! هل يصح أن نطلق عليها مكافآت صرفت بطريقة خاطئة؟ أعتقد أن التعذر بأنها مكافآت لا يناسب حقيقة ما حدث، وللعلم رئيس المالية السابق وهو فرنسي الجنسية استقال من البنك وعاد إلى فرنسا قبل اكتشاف الحالة بعدة أيام.
من جهة أخرى، يوجد داخل البنك إدارة مهمتها مراجعة العمل داخله والتأكد أن الجميع يطبق اللوائح والأنظمة وتسمى إدارة المراجعة الداخلية وهي تعد صمام الأمان الأول داخل أي شركة ضد التلاعبات والاختلاسات، نحن هنا أمام احتمالين لا ثالث لهما في هذه القضية، الأول أن هذه الإدارة لم تستطع اكتشاف التلاعب وهذا يعني أن هنالك مشكلة في قدرات الإدارة وخللا كبيرا في أدائها، والثاني أن هذه الإدارة اكتشفت الثغرة والتلاعب أو اشتبهت في وجود مشكلة ورفعت ما يسمى بالعلم الأحمر على الإدارة المالية لكن "ولسبب أو آخر" تم تجاهل أو إسقاط هذه الملاحظة، وللعلم نظاميا هذه الإدارة تتبع لجنة تسمى لجنة المراجعة الداخلية، التي من المفترض أن تضم على الأقل عضوين مستقلين، وإذا كان تم التجاهل أو إسقاط الملاحظات ولم يتم العمل فورا على معالجتها وأخذ قرار حازم حولها، فهذه مصيبة أكبر وتشير إلى تواطؤ "في حال صحة هذا الافتراض" أطراف أخرى أكبر، وعليه "وهنا مربط الفرس" يجب الرجوع إلى محاضر لجنة المراجعة الداخلية للسنوات الماضية وإلى تقارير إدارة المراجعة وتفحصها والتأكد من ذكرها أو عدم ذكرها لأي ملاحظات حول الإدارة المالية.
إن من المثير للدهشة أن يصدر قرار بعد الإعلان والاعتراف بالمشكلة من قبل البنك بدمج إدارة المراجعة الداخلية وإدارة مكافحة الاحتيال في إدارة واحدة، والأكثر إثارة للدهشة "وعلى عكس الاتجاه العام نحو الحوكمة" أن ترجع هذه الإدارة المندمجة تحت إدارة الرئيس التنفيذي مباشرة بقرار فوضوي وغير معقول، بينما تنص وتجبر مؤسسة النقد وهيئة سوق المال أن تكون هذه الإدارة مستقلة عن سلطة الرئيس التنفيذي وأن ترجع لمجلس الإدارة وبالذات إلى لجنة المراجعة الداخلية، إن هذا الأمر يجب أن يثير التساؤلات حول سبب هذا القرار وتوقيته، بينما كان الجميع يتوقع أن يقوم البنك بإجراءات صارمة وحازمة نحو محاربة الفساد ومنع حدوثه يفاجأ البنك الجميع بإصدار قرار مخالف ومعاكس لجميع المصارف والتشريعات المتعارف عليها وهي من أبجديات الحوكمة بإلزام المراجع الداخلي بالرجوع إلى الرئيس التنفيذي!
طبعا لم تقبل مؤسسة النقد بهذه الفوضى المخجلة لترغم البنك على إلغاء هذا القرار العجيب ولتعود الإدارة إلى لجنة المراجعة ويصدر قرار بذلك بعدها بساعات في غياب تام لدور مجلس الإدارة، وهنا يثور سؤال ملح، أين مجلس الإدارة من كل ما يحصل؟ أين رئيس مجلس الإدارة؟ أين الحزم في محاربة أي مخالفات وتجاوزات أو تلاعبات داخل البنك؟ لم نر من مجلس الإدارة أي موقف قوي وحازم لما يحدث، كيف يسمح للرئيس التنفيذي أن يقوم بإصدار قرارات فوضوية ومتسرعة ومخالفة وغير قانونية بإلزام إدارة المراجعة بالرجوع إليه بدل اللجنة؟ هل يعقل أن رئيس المجلس وأعضاءه يراقبون كل ما يحدث ولا يمنعون هذا الرئيس ويتم إيقافه بدل أن توقفه مؤسسة النقد بقوة النظام؟ وبدون قرارات حازمة تطمئن المساهمين حول قوة وكفاءة من يديرون البنك؟
إن ما حدث مع البنك الفرنسي قد يحدث مع بنوك أخرى أو شركات أخرى، وعليه يجب التأكيد على أهمية استقلالية المراجع الداخلي، استقلالية تامة من سلطة الرئيس التنفيذي حتى في التعيينات والرواتب والمزايا، فلا يمكن ولا يعقل أن يكون موظفو ومدير إدارة المراجعة الداخلية يدققون في عمليات لإدارات محسوبة على الرئيس التنفيذي وفي الوقت نفسه هذا الرئيس هو من يعين أو يكافئ أو يفصل أي موظف داخل هذه الإدارة، هنا تكمن أهمية الفصل التام كمرجعية وكتعيينات وكمكافآت وعقوبات إلى لجنة المراجعة الداخلية "التي تضم أعضاء مستقلين" واستقلالية كاملة عن الرئيس التنفيذي.
أخيرا أكرر، لكشف ما حدث يجب الرجوع إلى محاضر لجنة المراجعة وإلى تقارير المراجع الداخلي، واكتشاف ماذا حدث فيها، ويجب إشراك مجلس الإدارة في المحاسبة لترك الرئيس التنفيذي يقرر ويعمل بشكل مخالف ومعاكس لما كان الجميع يتوقعه، وعدم أخذ أي موقف قوي حتى الآن، يجب ألا تمر هذه السابقة الفريدة والعجيبة مرور الكرام، بل يجب على مؤسسة النقد إثبات قوتها ومحاربة الفساد وتقديم جميع المتهمين إلى العدالة، وعلى هيئة سوق المال "التي مع الأسف غابت عن المشهد ولم تقم بأي عمل" الحزم تجاه مجلس الإدارة ومساءلته لعدم أخذ موقف قوي مع مخالفات الرئيس التنفيذي مع إدارة المراجعة ومخالفته الصريحة للحوكمة، ومن ثم استرجاع حق المساهمين بالقانون.

إنشرها