إيران .. من أوباما إلى ترمب

|

"شكرا لهيلاري كلينتون. إيران صارت قوة، وفي طريقها نحو السلاح النووي"             
دونالد ترمب - رئيس الولايات المتحدة 

لم ينعم النظام الحاكم في إيران بمساحة زمنية مريحة إلا في ظل المساحة الزمنية التي شغلت فيها إدارة باراك أوباما البيت الأبيض. وبرحيل هذه الإدارة، فقد نظام علي خامنئي امتيازات لم يكن يحلم بها حقا.. إنها حقيقة يعرفها الجميع، بمن فيهم أولئك الذين كانوا ضمن إدارة أوباما نفسها، وكانت لهم رؤى مختلفة عن إدارتهم حيال التعاطي السهل المتسامح مع إيران. الرئيس الأمريكي السابق أراد طباعة بصمة له في التاريخ السياسي لبلاده، من خلال اتفاق نووي مضطرب مع إيران، والكل يعلم أن حلفاءه (لاسيما الفرنسيين) ضاقوا ذرعا بهذا التوجه، ما جعلهم الطرف الأكثر تشددا مع النظام الإيراني خلال المفاوضات. والمصيبة، أن أوباما أراد أكثر من "بصمة" له في أسرع وقت ممكن. فأعاد (مثلا) العلاقات مع كوبا، دون أن يتحقق أدنى تقدم لحقوق الإنسان في هذا البلد، وترك الشعب السوري لمصيره البائس، متفاخرا بأنه ليس كسلفه جورج بوش الابن، يزج بالجيش الأمريكي في حروب خارجيا.. كل هذا أدى إلى هروب الولايات المتحدة من واجباتها كدولة كبرى، وانتشار فراغات ملأتها الفوضى والظلم والحروب والإرهاب.
إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب "رغم محليتها"، وجدت الثغرات المفجعة "الأوبامية"، في السياسة الأمريكية حيال إيران، ليس فقط من ناحية الاتفاق النووي الهش، بل أيضا من جهة الاستراتيجية الإيرانية التخريبية في هذه المنطقة أو تلك، بما في ذلك التخريب داخل إيران نفسها. كان لابد أن تتشدد وتطلق مخططات جديدة حيال هذا البلد الذي لم يوفر فرصة سانحة إلا وانتهزها لنشر الإرهاب والفوضى والطائفية. وقبل هذا وذاك، لتنفيذ وهمٍ يعود لأول أيام عهد الخميني، ينحصر في ماذا؟ في "تصدير" الثورة ومثل هذه "الصادرات" لم تنتج إلا الويلات، على جهة "المنشأ" نفسها وعلى بلدان "الاستيراد". وهذا النوع من التصدير كما الاستيراد يتطلب أموالا وتمويلا مكلفا. بمعنى ينبغي أن تكون هناك سيولة وافرة للمضي قدما فيه.
وفي عز العقوبات التي فُرضت على إيران بسبب برنامجها النووي الخطير، تلقت من الاتفاق النووي المرتبك، أول دعم مالي. كيف؟ برفع جانب مهم من هذه العقوبات الذي رفد نظام خامنئي بالأموال المطلوبة. هذه الأموال لم تذهب بالطبع إلى التنمية، وخفض معدلات البطالة في البلاد عن طريق توفير فرص العمل، ولا استخدمت في انتشال ما أمكن من إيرانيين من ميدان الفقر، بل راحت كلها لـ"الحرس الثوري"، وهذا الأخير هو في الواقع الجيش الإيراني الحقيقي، إضافة إلى أنه وزارة مالية موازية لوزارة المالية المدنية في حكومة رئيس لا يملك في الحقيقة القرار النهائي لأي شيء في كل البلاد. "الماستر" الأعلى هو "الولي الفقيه" الذي لا يفقه إلا الحروب والتدخلات العسكرية المشينة، وتمويل العصابات، واحتلال ما أمكن له من مناطق لا يربطها مع إيران حتى شريط حدود بعدة أمتار.
هكذا وفر اتفاق أوباما النووي المدد المالي لنظام يثبت يوميا أنه ليس فقط ضد السلام الإقليمي، بل ضد السلم العالمي أيضا.. ليس مهما. هنا الحديث عن انحناء حلفاء الولايات المتحدة الغربيين لرغبة إدارة تريد نصرا ذاتيا. واهما.. فقد اعتاد العالم على الأصوات المرتفعة لهؤلاء الحلفاء في البدايات، وصمتهم المطبق في النهايات! كان ضروريا لإدارة ترمب أن تتحرك بعد أكثر من تسعة أشهر من التحقيقات والمشاورات والتحليلات بشأن اتفاق فيه من المخاطر أكثر ما فيه من الأمان. وهنا أيضا لنترك الحلفاء مرة أخرى جانبا.، لاسيما بعدما صرخوا (في البدايات) بأنهم ملتزمون بالاتفاق. هذا الأخير لن يلغى، على الأقل في المستقبل المنظور، لكن الأهم أن واشنطن فعَّلت آليات العقوبات على أذرع عديدة للنظام الإيراني، بما في ذلك ما يسمى بـ"الحرس الثوري". 
هذه مقدمة جديدة لوضع مزيد من الكيانات والشخصيات الإيرانية أو المتعاونة مع هذا النظام على قوائم العقوبات. لم يعد سرا منذ سنوات، أن "الحرس الثوري" يقوم بتسيير اقتصاد مواز في البلاد، وعوائد هذا الاقتصاد تذهب مباشرة لتمويل حروبه في كل الأرجاء، لاسيما في سورية والعراق واليمن، إضافة طبعا إلى دعم عصابات شيعية موالية، تعمل بكل صفاقة جهارا نهارا ضد بلدانها. وفي كل يوم يثبت النظام الإيراني أنه يستحق العقوبات تلو الأخرى، بل يتحدى حتى البلدان الغربية "اللطيفة" تلك التي تصرخ وتصمت فجأة! والعقوبات في الواقع لا تنال من الشعب الإيراني، بصرف النظر عن بكائيات بعض الإيرانيين "الخامنئيين"، لماذا؟ لأن عوائد رفع العقوبات في أعقاب الاتفاق لم تذهب إلى أي مشروع تنموي. ولا نزال نتذكر تأخر رواتب حتى العاملين في المنشآت النووية الإيرانية. 
إنها المتغيرات الأمريكية التي لاقت تأييدا حتى من سياسيين أمريكيين أعلنوا صراحة عدم حبهم لدونالد ترمب، وإيران ستدفع على ما يبدو فواتير إرهابها.

إنشرها