توطين الصناعات العسكرية

|

تعد منطقة الشرق الأوسط من المناطق ذات التسلح العالي، نظرا للتغيرات الأمنية والتوترات الحاصلة فيها، وسعيا من الدول لحماية أمنها، فإن منظومة التسليح جزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطنية التي تسهم في تحقيق الأمن الوطني الشامل والاستقرار.
تعد القوة العسكرية من العناصر المهمة في قوة الدولة، وقد تطورت الصناعات العسكرية على مر العصور بداية من الأدوات البدائية كالصخر والحربة، وصولا إلى الطائرات دون طيار وغيرها من الأسلحة الذكية التي تستخدم الذكاء الإلكتروني ونظم التصويب الحرارية.
يبقى مفهوم الصناعات العسكرية جزءا مهما كذلك في منظومة الردع التي لا تهدف إلى الهجوم والاعتداء، وإنما إلى إيصال رسالة لأي طرف ينوي الاعتداء على الوطن أن هناك ردا، بالتالي يرتدع ولا يقوم بذلك الاعتداء.
تسهم الصناعات العسكرية أيضا في كثير من المدخولات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، أي تلك التي تتعلق بالتصنيع العسكري والمصانع العسكرية، وتلك التي تعنى بالتقنيات بصفة عامة من عتاد وبرمجيات مختلفة، ولذا فإن دعم الابتعاث الموجه في هذه المجالات يسهم كثيرا في دعم الصناعة بشكل عام والصناعات العسكرية بشكل خاص.
يروي التاريخ العسكري أن كثيرا من الشركات كانت في المجال المدني ثم تحولت وقت الحروب إلى مصانع يمكن الاستفادة منها عسكريا، ثم بعد انقضاء الحروب أو الأزمات، تحولت مرة أخرى إلى الإنتاج في المجالات المدنية، ولذا فإن التطور في الصناعة العسكرية يعكس مقدرة الصناعة الكلية، وأي مستوى وتحديث وصلت إليه.
تتجه بعض الصناعات العسكرية إلى العزوف عن المواد الثقيلة كالحديد والمعادن التي قد تثقل على الجنود، وتتخذ مواد بلاستيكية وأليافا زجاجية، تؤدي المهمة الخاصة بتلك القطع وتوفر عديدا من الأموال والجهد على الجنود، ومن حسن الحظ أن كثيرا من المواد الخام هي مواد بترولية ثانوية، يمكن العمل على تمكين مراكز أبحاث وتطوير لتلك الصناعات والتجارب والنماذج الأولية حتى تدعم الصناعات المحلية، ضمن منظومة قانونية وإدارية وتقنية حديثة، يتم تمكين القطاع الخاص أو شبه الخاص من هذا المجال ويوجد تنافسا في مجال كبير، وهذا ما أشار إليه ولي العهد كذلك في المحتوى المحلي، وأن كثيرا من عقود التسليح سيكون فيها بنود تخص المحتوى المحلي، ولذا من الأهمية بمكان إيجاد الصيغ القانونية واللوائح لتمكين القطاعات الخاصة من هذا القطاع المهم والحيوي.
تتحول بعض التقنيات كذلك من التحكم المباشر إلى التحكم اللاسلكي، وذلك من التخصصات المهمة جدا التي ينبغي التركيز عليها في التحكم والتوجيه، وأجزاء أخرى ترتبط بالمراقبة والتصوير، وتلك تقنيات أخرى في علم البصريات والتصوير المتخصص، وغيرها من التقنيات والصناعات ذات الأبعاد المدنية والعسكرية.
تعزز المملكة قدراتها العسكرية بشكل متميز ومتنوع. يمكن دراسة الفائدة من مختلف العقود والمعرفة والتدريب والمنظومة المتكاملة التي تأتي في توطين الصناعات العسكرية المتقدمة داخل المملكة وهذا يعني مزيدا من الوظائف للشباب وفرص ابتعاث جديدة ومتميزة، وتطويرا كذلك لمجالات القطاع الخاص حال فتح ذلك المجال للتنافس التجاري، وتوطين معرفة الكيف، حيث إن كثيرا من التقنيات في مجال التسليح لا يسمح بمشاركة الملكية الفكرية، أما في حال فتح مراكز أبحاث تقنية وهندسية وتم ابتعاث طلاب في المجالات التي تتعلق بتلك الصناعات، فليس هناك أفضل وأكثر حرصا على التنمية في هذا المجال من أبناء الوطن القادرين.
حبا الله المملكة بطاقات بشرية متميزة، وعلاوة على ذلك تكتنز المملكة بفضل الله ثروات معدنية مختلفة عدا البترول، وتلك الثروات المعدنية يمكن استخدام موادها الخام لتلك الصناعات وغيرها من الصناعات التي تستخدم للصناعات المدنية وكذلك العسكرية.
قدمت الإمارات كذلك تجربة في هذا المجال في وجود شركة لها تتخصص في بعض القطع، وبالتأكيد هناك تجارب عربية أخرى في مصر مثلا وغيرها. كثير من الدول الإقليمية كذلك تقوم بالتصنيع المحلي، ولذا يمكن الاستفادة من كل تلك التجارب، والمملكة قادرة بما لديها من قدرات وموارد، أن تسابق تلك الدولة وتسبقها، ولكن يلزم تبيان استراتيجية واضحة، وسياسات للقطاع الخاص، حتى يتم العمل على رؤية واضحة، من أجل تحقيق أهداف تلك الاستراتيجيات التي تسعى لتمكين المملكة من امتلاك التصنيع العسكري المتقدم الخاص بها، وبالله التوفيق.

إنشرها