FINANCIAL TIMES

الصين تضع عينها على قطاع السيارات الكهربائية .. تصنيعا وتسويقا

لدى الصين أسباب لا تحصى لتكره محرك الاحتراق، وحافز ضخم للتعجيل بزواله. فهي محركات قذرة، مسؤولة بحسب الحكومة عن 30 في المائة من تلوث الهواء الخانق الذي يعم البلاد، وتسهم على نطاق هائل في وارداتها النفطية، التي تعتبرها الحكومة ثغرة استراتيجية رئيسة، وتسلط الضوء على خلل مزمن في قطاع صناعة السيارات المحلي – وهو أن الصين لا تتقن صناعة مثل هذه المحركات.
في الشهر الماضي قدمت بكين دفعة كبيرة للحركة العالمية الرامية إلى القضاء على المحرك الذي يعمل بالاحتراق. فإلى جانب عدد من البلدان الأوروبية التي اقترحت أن يتم خلال الفترة بين عامي 2025 و2040 فرض حظر على المركبات التقليدية التي تعمل بالوقود، قالت بكين إنها تدرس توقيت خطوة مماثلة للتخلص من السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل.
الخطوة التي رحب بها أنصار البيئة، تتصل أيضا برؤية مخططي الدولة الذين يعتبرون المركبات الكهربائية صناعة يمكن للصين المنافسة فيها، أو حتى السيطرة عليها على الصعيد العالمي.
عززت الحكومة موقفها في أيلول (سبتمبر) عندما أعلنت عن نظام من الحصص الآخذة في التزايد باطراد، يتم بموجبه مكافأة شركات صناعة السيارات مقابل إنتاجها كميات متزايدة باستمرار من المركبات التي تعمل بالبطارية بدءا من عام 2019، في الوقت الذي ترغمها فيه على شراء "أرصدة" سيارات كهربائية من شركات أخرى منتجة مقابل كل سيارة تقليدية تنتجها.
باعتبارها أكبر سوق سيارات في العالم وأكثرها ربحية، تمتلك الصين نفوذا ضخما في هذه الصناعة وهي ليست خائفة من استخدامه. فهي تفتخر بآلية التخطيط المركزي لديها التي تهدف إلى إخضاع كل الاعتبارات الأخرى - مثل الربحية وأذواق المستهلكين - لقوة الحكومة. وقد ضخت مليارات الدولارات على شكل إعانات واستثمارات للدولة في القطاع.
هذه التدخلات تعني أن الصين هي منذ الآن أكبر دولة صانعة للمركبات الكهربائية في العالم. ووفقا لرابطة الشركات المصنعة للمركبات في الصين، في العام الماضي باعت الصين 507 آلاف مركبة، بما في ذلك حافلات ومركبات تجارية، بما يعادل نحو 45 في المائة من الإجمالي العالمي. لكن بكين وضعت هدفا لها يتمثل في تصنيع سبعة ملايين مركبة بحلول عام 2025.
يقول أحد التنفيذيين الغربيين في قطاع صناعة السيارات في بكين: "يمكنهم طلب تأسيس وإنشاء محطات شحن في كل أنحاء الصين، وتحديد التعليمات المتعلقة بمنح التراخيص والقيادة في المدن الرئيسة"، مضيفا أن هذه تدابير من الصعب على الحكومات الغربية تطبيقها.

السياسة الصناعية
كان اختيار الصناعات الفائزة استراتيجية مجربة خضعت للاختبار لدى الاقتصادات الآسيوية الصاعدة منذ ستينيات القرن العشرين، والجهود التي تبذلها الصين لإحراز تقدم في مجال تصنيع المركبات الكهربائية تردد صدى نجاحات حققتها السياسة في كل من اليابان وكوريا الجنوبية.
المركبات الكهربائية ما هي إلا أحد بنود سياسة بكين الطموحة المعروفة باسم "صنع في الصين 2025"، التي تسعى إلى تحويل البلاد من بلد تصنيعي منخفض التكلفة إلى قوة مهيمنة ذات تكنولوجيا فائقة في عشر صناعات متقدمة بحلول منتصف العقد المقبل - بما في ذلك مجال تصنيع الروبوتات، وأشباه الموصلات والمركبات الكهربائية.
إذا كانت الدوافع الاقتصادية والبيئية واضحة، ترى بكين أيضا أن هناك ميزة تنافسية عليها استغلالها: في الوقت الذي تخلفت فيه لفترة طويلة في مجال تكنولوجيا المحركات التي تعمل بالاحتراق، تتفاخر بوجود اثنتين من أكبر خمسة شركات لتصنيع بطاريات الليثيوم في العالم، "كاتل" CATL وشركة صناعة السيارات "بي واي دي" BYD.
يقول ييل تشانج، من "أتوموتيف فورسايت"، وهي شركة استشارات في شنغهاي: "إذا تم استبدال محرك السيارة ورتل القدرة فيها ببطارية بسيطة، يمكن أن تفقد شركات صناعة السيارات العالمية الكبرى سيطرتها في مجال إنتاج السيارات. ستصبح عبارة عن حفنة من القطع التي يمكن الحصول عليها من أي جهة".
باختصار، يمكن أن تحذو السيارات حذو الهواتف الذكية والحواسيب وتصبح صناعة تحركها الأجهزة السلعية التي ينتج الكثير منها في جنوب الصين. في الوقت الراهن لدى الشركات الأجنبية المنافسة قبضة محكمة على التكنولوجيا في مجال السيارات الهجين ومجموعات رتل القدرة التي تعمل بمحرك الاحتراق، لكن بعض الشركات الصينية لديها ميزة في مجال براءات الاختراع الخاصة بتكنولوجيا البطاريات.
يقول أحد التنفيذيين في مجال صناعة السيارات: "يرغبون في إيجاد صناعة تلبي احتياجات الأمن القومي (من خلال تخفيض واردات النفط)"، مضيفا "والتي يمكنهم الهيمنة عليها".
لكن في الوقت الراهن سجلها المتعلق بالابتكار الموجه من المركز متفاوتا، وغالبا ما كانت المشاريع مستوحاة من الضرورات السياسية أكثر مما هي مستوحاة من الطلب الاقتصادي. كانت الاستثمارات في مجال السكك الحديدية ذات السرعة الفائقة ناجحة إلى حد كبير، لكنها كانت مكلفة، بينما سجلت الجهود الرامية إلى تصنيع حافلات كهربائية متداخلة المسارب فشلا ذريعا هذا العام بعد اتهامات بالتزوير احتجز على أثرها 32 شخصا.

الاعتماد على الإعانات
الكثير من الجهود التي بذلتها بكين لتوجيه السوق أسفرت عن طاقة مفرطة، نتيجة لتكاثر أصحاب المشاريع الساعين للظفر بالإعانات الحكومية. وتسبب ذلك في حدوث تخمة عالمية في كل شيء، بدءا من الصلب وصولا إلى الألواح الشمسية. ويخشى بعضهم أن تكون المركبات الكهربائية هي التالية، خصوصا مع إعلان أكثر من 200 شركة في السنوات الأخيرة عن خطط للبدء بالتصنيع. لكن لا تزال هناك تساؤلات عالقة حول المدة الزمنية التي ستستغرقها، والمبالغ التي سيتم إنفاقها، قبل أن تصبح الصناعة قابلة للتطبيق.
في الوقت الراهن تعتمد سوق المركبات التي تعمل بالبطارية والسيارات الهجين في الصين بشكل كبير على الإعانات لتحافظ على قدرتها التنافسية. عندما تم تخفيض تلك الإعانات بنسبة 20 في المائة في كانون الثاني (يناير) تهاوى الطلب. وانخفضت مبيعات السيارات طراز BYD E6، السيارة الكهربائية الأفضل أداء في عام 2016 التي تنتجها شركة BYD في مقرها في شينزن، بنسبة 62 في المائة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2017، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وبوجه عام انخفضت مبيعات BYD من السيارات التي تعمل بالبطاريات والسيارات الهجين بنسبة 20 في المائة بين شهري كانون الثاني (يناير) وحزيران (يونيو).
فينج تشينجيا، نائب رئيس مجموعة جوانجتشو للسيارات، قال أمام منتدى للسيارات في جوانجهوا في حزيران (يونيو): "لا تزال سيارات الطاقة الجديدة غير قادرة على التنافس مع محرك الاحتراق، في حال استبعدنا السياسات المواتية أو الإعانات".
مايكل بيتيس، الأستاذ في كلية جوانجهوا للإدارة في جامعة بكين، يقول: "تمتلك الصين سجلا سيئا جدا يتضمن خسارة أموال في مجال المشاريع التي تكون في النهاية مشاريع غير مستدامة". بدلا من ذلك، بحسب ما يقول، ظهرت قصص النجاح المتعلقة بالابتكار في القطاع الخاص. البيع بالتجزئة عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي أمثال مجموعة علي بابا وتينسنت "كانت أمورا قد حصلت من وراء ظهور الناس"، بعيدا عن أنظار الدولة، بحسب ما يضيف.
إجمالي استثمار الدولة في القطاع، من الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية، ضخم. وتتوقع بكين إنفاق ما يصل إلى 400 مليار رنمينبي (60.7 مليار دولار) - ما يقارب الناتج المحلي الإجمالي لأوزبكستان – في الفترة بين عامي 2015 و2020 على إعانات المركبات الجديدة التي تعمل بالطاقة الجديدة، للمستهلكين والمصنعين، على أن يتم تقليصها تدريجيا ابتداء من عام 2021. وهذا يعادل نحو 100 ألف رنمينبي (15 ألف دولار) لكل مركبة بيعت العام الماضي.
ويصبح دور الدولة أكثر وضوحا عندما يتعلق الأمر باستثمار 25 مليار رنمينبي في شبكة الكهرباء الوطنية لإنشاء شبكة من محطات الشحن يبلغ عددها منذ الآن 171 ألف محطة منتشرة على الصعيد الوطني، وفقا لوكالة أنباء شينخوا الرسمية. لكن من المتوقع أن يرتفع هذا العدد بشكل كبير على مدى السنوات الثلاث المقبلة وسط شكاوى بأنه لا يزال من الصعب العثور على محطة شحن. في الولايات المتحدة توجد فقط 44 ألف محطة للشحن و16 ألف محطة كهربائية، وفقا لوزارة الطاقة الأمريكية.
لكن من المحتمل أن تتسبب هذه الجهود التي تستهدف التحول إلى استخدام السيارات الكهربائية في الضغط على الطاقة التي يستطيع جهاز التخطيط المركزي في الصين الوصول إليها، إذ يقال إن تكنولوجيا البطاريات لا تزال متخلفة عن طموحات مخططي الدولة. ويلاحظ خبراء إن البطاريات ثقيلة فوق الحد ومكلفة فوق الحد، ما يعني أن المركبات ستكون غير جذابة في أعين المستهلكين من دون استمرارية الإعانات.
يقول تشانج إن قوة البطاريات الموجودة الآن تعادل نحو نصف ما تحتاج إليه السيارة لقطع 400 كيلو مترـ المسافة التي يريدها الكثير من المستهلكين. لكن الاعتماد على تكنولوجيا البطاريات لتتفوق على استخدام البنزين، الذي أصبح في حد ذاته أكثر كفاءة، يعتمد على عدة متغيرات.
يقول تشانج: "من دون إحراز تقدم في مجال التكنولوجيا، من الصعب أن نرى كيف ستحظى سيارات الطاقة الجديدة بشعبية حقيقية. المشكلة تكمن في أنه لا يتم تطبيق قانون مور على إنتاج البطاريات"، مشيرا إلى النمو الهائل في مجال طاقة معالجات الكمبيوتر.
ماري بارا، الرئيسة التنفيذية لشركة جنرال موتورز، دعت الشهر الماضي إلى فرض إملاءات أقل من الدولة مع المزيد من الاهتمام بقوى السوق في تحديد سياسة الصين في مجال المركبات الكهربائية.
وقالت في كلمة لها في شنغهاي: "أعتقد أن الأمر سيصبح أفضل عندما يختار المستهلكون، بدلا من أن تفرض عليهم التكنولوجيا التي تلبي احتياجاتهم". وكثير من خبراء الاقتصاد ورؤساء الصناعة ينصحون الصين بأن تنتظر حتى تستطيع السوق وتكنولوجيا البطاريات اللحاق بركب طموحاتها، لكن صناع السياسة في بكين يصرون على أن المساعدة السخية التي تتمثل في تدخل الدولة في السوق هو ما تمس الحاجة إليه لجعل الصناعة قطاعا مستداما في المقام الأول.

خيار المستهلكين
شركات صناعة السيارات العالمية، وبعضها يحقق نصف أرباحه في الصين، كانت تتدافع للاستجابة. شركة فولفو، المملوكة لشركة تشجيانج جيلي الصينية، ستتوقف عن إنتاج السيارات التي تستخدم محرك الاحتراق بحلول عام 2019. وأعلنت كل من فولكسفاجن، وجنرال موتورز، وديملر، وفورد عن خطط لتلبية حصص التصنيع النسبية للمركبات التي تعمل بالكهرباء في الصين.
وبموجب المخطط، ستحصل شركات صناعة السيارات على رصيد مقابل كل مركبة كهربائية أو سيارة هجين تنتجها، وسيتم فرض رسوم عليها مقابل كل سيارة تقليدية تنتجها. وفي تدافعها للامتثال لهذه الخطة، أعلنت كل من فولكسفاجن، وجنرال موتورز، وفورد هذا العام عن البدء في مشاريع مشتركة، بشكل رئيسي مع نظرائها من الشركات الصينية الأصغر حجما.
ويلاحظ أحد الخبراء أن السيارات التي تنتجها الشركات صغيرة جدا في الأساس وذات جودة منخفضة، تهدف إلى الوفاء بنظام الحصص النسبية فقط. يقول تشو كيان، من مكتب شنغهاي التابع لشركة أليكس بارتنرز الأمريكية للاستشارات الإدارية: "إنه نهج قصير الأجل جدا - يريدون الحصول على الرصيد أولا، لمساعدتهم في تعظيم الفائدة التي يحصلون عليها من الناحية المالية من خلال السياسة".
ويقول أحد أفراد الجماعات الضاغطة في هذه الصناعة في بكين إن نظام الحصص النسبية هو وسيلة لتحويل عبء الإعانات إلى القطاع الخاص من أجل الاستبدال التدريجي للإعانات التي تقدمها الدولة.
ويبدو أن أكبر عائق هو عامل جديد ظهر في حسابات مخططي الدولة: المستهلكون الذين يبدو أنهم ليسوا في عجلة من أمرهم لكي يتبعوا ما تفعله الحكومة.
يوكيم هايزمان، الرئيس التنفيذي لشركة فولكسفاجن في الصين، قال في نيسان (أبريل) إن بيع كميات كبيرة من السيارات الكهربائية لن يكون أمرا سهلا، لكن يمكن التحكم به، مضيفا أن أساطيل السيارات المشتركة وسيارات الأجرة ستشكل جزءا كبيرا من هذه الأعمال التجارية. وتابع: "من الأفضل تصميم وإنتاج مثل هذا النوع، لكن يتعين على المستهلكين الشراء".
وفي حين أن الصين تقدم حوافز الشراء الأكثر سخاء من أي بلد آخر، باستثناء النرويج، إلا أن هذا لم يترجم إلى استخدام على نطاق واسع من قبل الناس. في النرويج كانت السيارات الهجين تشكل 24 في المائة والسيارات الكهربائية 15 في المائة من مشتريات سيارات الطاقة الجديدة في عام 2016. في الوقت نفسه، شكلت هذه السيارات في الصين 1.32 في المائة فقط. وفي بلدان كثيرة حققت محركات الاحتراق الداخلي عودة خفية، كما يقول جيف كاي، من "جيه دي باور"، التي تنشر البيانات الاستهلاكية الخاصة بصناعة السيارات. ويضيف أن السائقين يجدون أن السيارات التي تعمل بالبطاريات فقط صغيرة وضيقة، ويتوجهون إما إلى سيارات الاحتراق الداخلي مرة أخرى، وإما إلى السيارات الهجين التي يمكن شحنها من خلال قابس.
وفقا لشركة فيتش للتقييم الائتماني، سبع من كل عشر سيارات كهربائية وهجين تباع في ست مدن صينية فقط، جميعها وضعت قيودا على تراخيص لوحات السيارات التي تعمل بالاحتراق الداخلي. في بكين تراخيص سيارات الاحتراق الداخلي متوافرة فقط من خلال اليانصيب، في حين تكلف في شنغهاي مبلغا يصل إلى 80 ألف رنمينبي، وتتطلب الانتظار لأوقات طويلة.
في أوج أيام التخطيط المركزي كان لدى الحكومة الصينية مجال أوسع لتجاهل ما يريد المستهلكون شراءه، وما تريد شركات التصنيع تصنيعه. اليوم الأمور مختلفة. هناك طبقة وسطى جديدة تريد سيارات أوسع وأكثر راحة. وما لم، أو إلى أن، يريد المستهلكون الصينيون قيادة سيارات الطاقة الجديدة، فإن سوق هذه السيارات ربما لن تنطلق أبدا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES