تراث المدن السعودية عند الغربيين .. جدة نموذجا

|

احتلت المدن السعودية مكانة بارزة لدى الرحالة الغربيين، ونتناول في هذه المقالة رحلات مجموعة من كبار الرحالة الغربيين والشرقيين إلى منطقة الحجاز بصورة عامة، وإلى جدة التاريخية بصورة خاصة.
وفي البداية يجب أن نوضح أن ذلك النوع من الرحلات لم يعد موجودا في القرن الحادي والعشرين، إذ إن المعلومات عن الجزيرة العربية أصبحت هي التي تذهب إلى مريديها في كل مكان من العالم عبر وسائل التقنية الحديثة، ولم تعد هناك حاجة كي يقوم الغربيون أو الشرقيون برحلات إلى الجزيرة العربية لجمع المعلومات، لذلك نجد أن مصطلح "الرحالة" لم يعد يتناسب مع طبيعة الارتحال الذي لم يعد ارتحالا بالمفهوم السابق، بل هو في الحقيقة زيارات خاطفة لرجال الأعمال والمستثمرين الغربيين لمنطقة شبه الجزيرة والخليج العربي التي حباها الله بالثروة البترولية طوال القرن العشرين.
ومنذ بداية هذا القرن تحول الرحالة الغربيون إلى رجال أعمال يستهدفون الاستثمار في منطقة أصبحت من أغنى المناطق الاقتصادية في العالم، كما تحول الرحالة الغربيون ــ إذا جاز التعبير ــ إلى سياح يزورون المناطق الأثرية التي تكتنزها هذه المناطق الثرية بآثار عديد من الحضارات الغابرة بصورة عامة والحضارة الإسلامية على وجه الخصوص.
ورغم أن كرستين نيبور الرحالة الدنماركي من أوائل من وصل إلى جدة التي وصلها في عام 1762م، إلا أن رحلة شارل ديديه إلى الحجاز كانت من أهم الرحلات التي قام بها الرحالون الغربيون إلى منطقة الحجاز، وشارل ديديه فرنسي من أصل سويسري، عشق الأدب والشعر وعلم النبات والتاريخ والرحلات، واشتغل بالصحافة وصدرت له عدة دواوين شعرية.
قام شارل ديديه بزيارته إلى الحجاز وألف كتابا بعنوان "رحلة إلى الحجاز". ويتطرق الكتاب إلى كثير من مظاهر مدينة جدة التاريخية ثم يزور الطائف ويشملها بالحديث، كما يتحدث شارل ديديه في استفاضة عن مكة المكرمة، ولكن قبل أن يتحدث عن المدن الحجازية الثلاث أفاض في الحديث عن المناطق التي زارها وهو في طريقه إلى الحجاز مثل صحراء السويس والطور وسيناء والبحر الأحمر، حتى ختم كتابه بموضوع حمل عنوان "مغادرة جدة". وفي جدة استعرض ديديه مواهبه الفكرية وكتب عن مجمل ما كسب من هذه الرحلة الثرية، على حد قوله.
ويغلب على فكر ديديه في كتبه التي تحدث فيها عن رحلاته إلى بلاد العرب أحاديثه عن عبقرية الإنسان أكثر من أحاديثه عن عبقرية المكان والعمران. ولقد حاول ديديه أن يبعد عن نفسه التهم التي كثيرا ما يوصم بها الرحالة الغربيون، ومن هذه التهم أن رحلاتهم استخباراتية وذات أهداف سياسية كانت تستهدف معرفة حجم تغلغل الحكم العثماني في المنطقة.
ويأتي الرحالة وليم بلجريف في المكانة الثانية بالنسبة إلى الرحالة الغربيين الذين ارتحلوا إلى منطقة الحجاز، حيث وصل منطقة الحجاز في عام 1865، وألف كتابه الموسوم بـ "قصة رحلة عام عبر وسط الجزيرة العربية وشرقها"، ويتميز هذا الكتاب بأنه كتاب يقدم مؤلفه كمثقف وصاحب معارف عديدة، وهو بالفعل كتاب معارف وثقافات وسياسة واجتماع ودين ودنيا.
وبلجريف رحالة بريطاني لم يخف رغبته في أنه يسعى إلى نشر المسيحية في ربوع العالم العربي، ولذلك ذهب إلى لبنان وأقام في زحلة فترة من الوقت ودرس العربية بعمق حتى أتقنها، واستطاع بلجريف أثناء إقامته في لبنان أن يتوغل في المجتمع اللبناني، ويبدو أن بلجريف له علاقة بالمخابرات الغربية، حيث كان على تواصل مع الشخصيات الغربية المهمة في المنطقة العربية، ومن بينهم فرديناند دليسبس صاحب فكرة حفر قناة السويس.
ولم يكتف بلجريف بتأليف كتاب عن الجزيرة العربية، بل كان كتابه "قصة رحلة عام عبر وسط الجزيرة العربية وشرقها"، الذي صدر في مجلدين من الكتب المهمة التي صدرت عن مجتمع الجزيرة العربية في تلك المرحلة، وبذلك أصبحت كتب بلجريف عن مجتمع الجزيرة العربية من أهم المراجع التي كان يرجع إليها الدارسون والباحثون في شأن جزيرة العرب وأهلها.
لكن الغريب بالنسبة إلى هذا الرحالة المثير للجدل أنه تعرض لاتهامات من بعض الرحالة الغربيين، زعمت أن بلجريف لم يقم برحلاته في وسط وشرق الجزيرة العربية، وأن كتبه مجرد تجليات أدبية من أديب موهوب حلق في خيالات الفكر والكتاب. ومن أبرز الذين يتهمونه بالكذب الرحالة المشهور جون فيلبي، لكن في مواجهة هذه الحملة ضد بلجريف نهض شيوخ الرحالة الأوروبيون وصادقوا على رحلات بلجريف إلى جزيرة العرب، وأشادوا بفكره المستنير، ومن أمثال شيوخ الرحالة الأوروبيين داوتي وبلنت اللذان اعتبرا كل القصص التي أوردها بلجريف صحيحة، ويزيد عليهما لورانس فيضع بلجريف في مصاف فيلبي وتوماس، بل إن جاكلين بيرين أشادت في كتابها "اكتشاف جزيرة العرب: خمسة قرون من المغامرة" بكتب بلجريف، وقالت "إن كتب بلجريف إضافة مهمة إلى أدب الرحلات".
ويعتبر الرحالة البريطاني عبدالله فيلبي (جون فيلبي) أكثر الرحالة الذين قاموا بأعمال فكرية جليلة، وألف عن المناطق الأثرية في المملكة وخص جدة بكثير من المقالات. ومن كتبه الثرية "الربع الخالي، أيام عربية، قلب الجزيرة العربية، أرض مدين، بعثة إلى نجد، وأربعون عاما في البرية". وكان فيلبي على علاقة طيبة بالملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه. وفي أيامه الأخيرة أعلن إسلامه وغير اسمه إلى عبد الله فيلبي، بل أقام في جدة وأسس مكتبه التجاري فيها، وظل يعيش فيها ولم يبرحها حتى وفاته، وما زال بيته في جدة في حوزة ورثة فيلبي.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى وردت مدينة جدة كثيرا في كتب الرحالة العرب والأجانب، فقد وصفها محمد بن أحمد البشاري المقدسي في القرن الرابع الهجري في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" بأنها "مدينة حصينة عامرة آهلة، أهلها أهل تجارات ويسر، ولهم فيها قصور عجيبة وأزقتها مستقيمة ووضعها حسن، لكنها شديدة الحر جدا في الصيف، وأهلها في تعب من شح المياه".
ومن هذه الومضات التي اختطفناها من أقلام وكتابات الرحالة الغربيين وغير الغربيين، يتضح أن لجدة مكانة أثيرة لدى الرحالة العالميين المعروفين مثل شارل ديديه، وكرستين نيبور، ووليم بلجريف، وجون فيلبي وغير هؤلاء كثير.

إنشرها