المرشد .. في حياة الفائزين بـ «نوبل»

|

قبل يومين، وصف ريتشارد ثيلر إحساسه بالبهجة التي لا توصف عند سماعه خبر الفوز بجائزة نوبل في الاقتصاد، وذكر أن الإنجاز الحقيقي تحقق قبل 40 عاما عندما كان يتواصل مع مرشديه المتخصصين في علم النفس. حصل ثيلر على الجائزة بسبب ربطه بين مجالين مختلفين بشكل غير معهود، إذ ساعدت أبحاثه على سد عدة فراغات في علم الاقتصاد بعد ربطها مع التحليلات النفسية لصنع القرار. نحن هنا لا نتحدث فقط عن الدور التحفيزي للمرشد، وإنما عن دوره الاستثنائي في الربط بين دوائر الاهتمامات المختلفة لصنع القيمة وتحفيز الابتكار بشكل غير معهود.
من يراجع تصريحات العلماء الفائزين بجائزة نوبل فور سماعهم خبر اختيارهم للجائزة ـــ وهذه إحدى أكثر اللحظات صدقا ونبلا عند كل مجتهد منتج ــــ لن يجدها تخلو من الإشارة للدور الجوهري للمرشد في حياتهم. كذلك، تشير الأرقام إلى أن 65 في المائة من الفائزين بالجائزة مرتبطون علميا وبحثيا وإرشاديا بفائز سابق بالجائزة.
هناك من العلماء من اشتهروا بكونهم مرشدين لعلماء آخرين فازوا بالجائزة الرفيعة. على سبيل المثال، يعرف بروفيسور التشريح الإيطالي قويزبي ليفاي بأنه المرشد لثلاثة فائزين بجائزة نوبل في الطب سيلفادور لوريا 1969، وريناتودلبيتشو 1975، وريتا ليفاي مونتالشيني 1986، كانت أبحاثهم متنوعة حول الفيروسات والعلوم العصبية. كان يعرف عن البروفيسور قويز جمعه لنخبة من الطلبة والباحثين ودعمهم في أبحاثهم خصوصا في أوقات الحرب العصيبة. كاثرين قيبي، أستاذة الفيزياء الفلكية ورئيسة الأبحاث بمعهد المقاييس والتقنية الأمريكي، كانت مشرفة ملهمة لأربعة من الفائزين بجوائز نوبل الذين عملوا تحت قيادتها في معامل الأبحاث وليام فيلبز 1997، وإيريك كورنيل 2001، وجون هول 2005، وديفيد واينلاند 2012. وهذا شرف تاريخي عظيم. يقول فينكاترامان راماكريشنان وهو أمريكي ـــ بريطاني من أصول هندية حائز جائزة نوبل في الكيمياء في عام 2009: "كان مرشدي مدى الحياة بيتر مور مباشرا وصادقا جدا معي.. ومن أكبر الداعمين لي"، والمرشد الحقيقي يعرف كيف أن إبداء الرأي بصراحة مع التشجيع في الوقت نفسه ليس أمرا سهلا، ولكنه سرعان ما يصبح عادة وتكتيكا مؤثرا عند من يهتم بالإرشاد.
أحد أهم إنجازات العالم الفيزيائي جي جيثومبسون تتعلق بالدور الذي قام به كمعلم عظيم وملهم للأجيال، والبرهان هنا يأتي بفوز ستة من طلابه بـ"نوبل" في الفيزياء واثنين في الكيمياء وأيضا فوز ابنه لاحقا بـ"نوبل" في الفيزياء. ولا يخفى أن الأمر العظيم هنا ليس التعليم المباشر فقط، وإنما العلاقة الشخصية والطاقة الإيجابية التي كان ثومبسون يصنع بها ذلك التأثير. لا ننسى أيضا الألماني آرنولدسومرفيلد الذي حاز سبعة من طلابه الجائزة غير أنه لم يحصل عليها على الرغم من ترشحه المتكرر لها.
المُشاهَد في العلاقات الثنائية المؤثرة بين المعلم والطالب وبين العالم والباحث وبين الفائز بجائزة نوبل والفائزين المحتملين من حوله بأنها ليست جديدة تاريخيا. على مدى التاريخ كانت العلاقات الإرشادية نقطة التحول التي استفادت بها البشرية من العقول الخصبة وإن لم تكن تسمى تلك العلاقات إرشادا. ملازمة العلماء المسلمين لشيوخهم وتأثرهم بآدابهم وطموحاتهم قبل علومهم ليست إلا دليلا على جدوى الإرشاد ووجوب تطويره والاستفادة منه.
ما نتعلمه في الجامعة يعد تأسيسا معرفيا مبدئيا يجهز منصة الانطلاق نحو العمل والإنجاز. لا يكتسب هذا التأسيس الزخم المطلوب إلا حينما نتمم التعلم بمرافقة من يكتسبون المعرفة ويصنعون الوقع الشخصي المؤثر. المتتبع لنجاحات الفائزين بـ"نوبل" يجد أن لهم ملامح شخصية متفردة تشمل التقلبات المهنية والتأثيرات الشخصية، التحصيل العلمي لا يكفي وحده للتتويج. يقول كارلوا روبية الحائز على "نوبل" للفيزياء في 1984: "يجب أن تتعلم من الأشخاص الذي يمنحونك تلك الصبغة الخاصة التي لن تجدها في الكتب".
هناك من ينظر لعلاقة الإرشاد بالنجاح المعرفي بطريقة ملائمة للتعامل مع مشاكلنا في الوقت الحاضر؛ إذ ينصح بالبحث عن الإرشاد المتجزئ أو تعدد المرشدين حسب الحاجة. وهذا يتفق مع الجسر الذي تمكن ريتشارد ثيلر من تشييده بين الاقتصاد وعلم النفس. لصنع تلك القيمة التي يحتاج إليها كل منتج مع تحديات اليوم وتداخل العلوم الاجتماعية بالتقنية والعلوم لا بد من إيجاد أكثر من مرشد كفء للمساعدة في تحقيق الهدف المنشود. يثبت الدور الذي لعبه الإرشاد في الإنجازات المعرفية العالمية ثلاث فوائد لا غنى عنها لأي باحث عن النجاح: التحفيز الاستثنائي نحو التقدم، التجسير بين العلوم ودوائر الاهتمامات، ومشاركة التجارب وإدراك الملامح الشخصية للمعرفة التي تعجز الكتب عن وصفها.

إنشرها