«صندوق النقد» .. وشهادة متانة الاقتصاد السعودي

|

مع إشادة وتفاعل صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير، بشفافية الحكومة السعودية من خلال قراءة مسؤولي الصندوق عن مؤشرات الاقتصاد ومستقبله، بعدما كان قلقا من وضع الاقتصاد ومسيرته، وقدرتنا على مواجهة آثار انخفاض أسعار النفط، مستندا في ذلك إلى أهداف وخطط الإصلاحات الهيكلية التي تقوم بها المملكة التي تسهم بشكل إيجابي في تعزيز النمو الاقتصادي ودعم مستقبله، من خلال نمو قوي للقطاع غير النفطي في المملكة باعتماده على التنوع الاقتصادي، طالب بتوسيع نطاق عمل مكتب ترشيد الإنفاق.
وإذا رجعنا إلى المادة الرابعة من اتفاقية صندوق النقد الدولي التي تنص على التزامات الأعضاء في توفير إطار دولي لتيسير تبادل السلع والخدمات ورؤوس الأموال بين البلدان، ومن أجل ذلك يجب على كل دولة عضو أن تحافظ على نمو اقتصادي سليم، وتحقيق استقرار مالي واقتصادي. كما أن التزامات المادة الرابعة تجعل كل دولة من دول العام شريكا في صناعة الاستقرار النقدي العالمي وفي التبادل العادل للسلع ورؤوس الأموال. إن أي اضطرابات في أي دولة قد تهدد الاستقرار العالمي بطريقة أو بأخرى، لهذا يعقد فريق متخصص من صندوق النقد الدولي لقاءات سنوية مع كل الدول ويرفع تقاريره عن الأوضاع الاقتصادية فيها بكل حيادية ونزاهة بعيدا عن المحاباة من قبل الفريق المختص التي تؤثر حتما في قرارات إدارة الصندوق وبالتالي الاستقرار العالمي ككل، لهذا عندما ينشر الصندوق تقاريره الاقتصادية الدورية عن المملكة بعد قيام فريقه المكلف بالتشاور مع المسؤولين في الحكومة السعودية فإننا نهتم بنتائج تلك المشاورات والتقرير عنها، ورأي الصندوق في أداء الاقتصاد السعودي. ومن ثم تقوم الدوائر في القطاع الاقتصادي بمحاولة اتباع تلك النصائح حتى تأتي متوافقة مع توجهات الصندوق المطلوبة، ومتوافقة مع متطلباته بحكم أفضلية الاقتصاد السعودي وقدرته على مواجهة الصدمات الاقتصادية، وليونة التعامل مع كل توجهاته بحكم ثبات مؤشراته في معظم الأوقات.
وأخيرا أصدر صندوق النقد الدولي تقريره عن مشاورات المادة الرابعة للمملكة في مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، لكن لا يمكننا تقييم التقدم الذي حصل إلا إذا قارنا بين تقاير الصندوق الحالية والماضية، ففي عام 2015 جاء تقرير الصندوق معبرا عن قلقه من تأثير الهبوط الحاد في الإيرادات النفطية وذلك سينعكس على شكل عجز شديد في المالية العامة على المدى المتوسط، وهو ما يقلص الاحتياطات الوقائية التي بنيت على مدار العقد الماضي. وشدد التقرير على الحاجة إلى إجراءات تصحيحية تدريجية ولكنها كبيرة في أوضاع المالية العامة على مدار عدة سنوات، باستخدام مزيج من التدابير على جانبي الإيرادات والنفقات، مع إصلاحات شاملة في أسعار الطاقة، ورفع كفاءة استثمارات القطاع العام، وتوسيع نطاق الإيرادات غير النفطية بوسائل جديدة. ثم عاد في عام 2016 بتقرير لم يخل من القلق وإن كان قد أشاد بالتحركات التي قامت بها الحكومة لمواجهة تحديات هبوط أسعار النفط. ورحب التقرير بتحرك الحكومة في الوقت المناسب لمواجهة هذه التطورات، وهو ما حافظ على نمو واستقرار الاقتصاد الكلي، وأكد التقرير حينها الحاجة إلى استمرار التصحيح والإصلاح في المالية العامة. واليوم يأتي تقرير عام 2017 ليشيد بحجم العمل الذي بذل في المملكة في وقت قصير جدا، مبينا حجم الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها حكومة المملكة، وثمّن التقرير التقدم الملحوظ الذي أحرز في تحقيق أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي وفقا لـ "رؤية 2030" ولا سيما فيما يرتبط بضبط المالية العامة التي "بدأت تؤتي ثمارها". كما نوه التقرير بالتقدم المحرز في مسيرة الإصلاحات الرامية إلى تحسين بيئة الأعمال، وإرساء جانب كبير من الإطار المعني بزيادة الشفافية والمساءلة الحكومية.
وإذا كان تقرير الصندوق عام 2015 قلقا فيما يرتبط بالإيرادات، فقد جاء تقرير عام 2017 من خبراء الصندوق مرحبا بالنتائج الإيجابية للإصلاحات وما تحقق من مكاسب نتيجة تحسين إدارة الاستثمارات العامة، مؤكدين أن تصحيح أسعار الطاقة والمياه يشكل جزءا أساسيا من عملية الإصلاح الاقتصادي. وإذا كان تقرير عام 2015 قلقا من وضع الإنفاق والمصروفات الحكومية فقد جاء الصندوق مشيدا في عام 2017 بالخطوات المهمة التي اتخذتها المملكة لتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، حيث تقلصت النفقات، مطالبا بتوسيع نطاق عمل مكتب ترشيد الإنفاق ليشمل جميع الوزارات والهيئات لتحقيق مزيد من الوفورات في النفقات، ولأن "صندوق النقد" متفق مع الحكومة السعودية في أهمية تخفيف الآثار الناجمة من هذه الإصلاحات في الأسر ذات الدخل المنخفض فقد أشاد بتطبيق برنامج "حساب المواطن"، معتبرا أنه خطوة مهمة للغاية. ويمكن القول إن التقرير الأخير للبنك الدولي بكل مؤشراته الإيجابية يعد أكبر شهادة على متانة الاقتصاد السعودي.

إنشرها