علم التسويق .. الحكاية بدأت هكذا

|

لكي نعرف النقطة التي بدأ بها علم التسويق في الظهور علينا أن نحدد نقطة التقاء الإنتاج بالتسويق وكيف أن وظيفة الإنتاج سبقت وظيفة التسويق بقرون، إلا أن هذه الأخيرة تخطت الإنتاج حتى أصبحت أهم وظيفة من وظائف المنظمة. حتى تتضح لنا نشأة علم التسويق نحتاج إلى العودة إلى الوراء لمعرفة نقطة الالتقاء هذه ما سيساعدنا على تصنيف مراحل تطور علم التسويق. ويمكن بيان العلاقة بين هاتين الوظيفتين في معرفة درجة الأهمية.
فقد كان الإنتاج أهم وظيفة في المنظمة لأن الاهتمام كان منصبا على المنظمات وطريقتها في تعظيم الأرباح ولم يكن للمستهلك أي اهتمام بتلك الحقبة لأن المنتجات والسلع كانت محدودة للغاية فما ينتج يباع ولم تكن هناك حاجة إلى دفع المنتجات إلى الأسواق أو سحب العميل إليها.
بدأت وظيفة الإنتاج بالاضمحلال تدريجيا وظهرت وظيفة البيع، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلا نتيجة الميكنة وتطور وسائل الإنتاج وأنظمته فتطورت قليلا وظيفة التسويق نتيجة الرغبة في تصريف المنتجات وفي هذه المرحلة أصبحت وظيفة التسويق "كان يطلق عليها البيع" تعادل وظيفة الإنتاج تماما، وقد أدركت الشركات ذلك في حينه. ومع الثورة الصناعية التي صاحبها ظهور بعض المصطلحات مثل فائض الإنتاج وما يعرف بالإنتاج الكبير التي أضحت صفة لفترات الركود بدأ المنتجون يفكرون في كيفية حث الناس على الشراء عندها ظهرت فكرة التسويق ولو أنها لم تمارس بشكل كامل كما نعهدها اليوم.
استمرت أهمية البيع نتيجة الحاجة إلى تصريف المنتجات وأصبح أكثر أهمية من الإنتاج والتصنيع ثم دخلت بعض الأدوات مثل الإعلان وبحوث التسويق وأطلق على هذه المهام مجتمعة (البيع، الإعلان، بحوث التسويق) بالتسويق ولو أن الأمر ما زال أقرب ما يكون إلى كونه بيعا فوظائف التسويق لم تظهر هنا بالكامل.
ومع التحول من الاهتمام بالمنتج إلى الاهتمام المبالغ فيه بالمستهلك ظهرت وظائف التسويق الأخرى. وهنا اكتملت مهمة التسويق وبدأت الأبحاث والمراكز البحثية وقطاعات الأعمال تفرق بين التسويق والبيع وبين التسويق والإعلان.
هذه الأهمية لكل من الإنتاج والتسويق سهلت على الباحثين تصنيف مراحل تطور التسويق ومن أفضل من صنف هذه المراحل أبو نبعة في مؤلفه "كيف ترفع إنتاجية موظفيك وتزيد الربحية؟". ورغم أن عنوان الكتاب لا يعكس ما بداخله إلا أن المؤلف يرى أنه أفضل مرجع عربي كتب عن تطور علم التسويق. ولكي يبسط أبو نبعة الفكرة قام بالمقارنة بين تطور علم الفلك وتطور علم التسويق. فذكر أنه في القرن الـ 16 كان علماء الفلك يجدون صعوبة في تحديد تحركات الأجرام السماوية، وقد ساعدتهم حساباتهم على تقدير مواقع الكواكب بشكل تقريبي، إلا أن تلك الحسابات لم تكن دائما دقيقة فهناك اختلافات تحدث باستمرار حتى جاء العالم البولندي "نيقولاس" واقترح جوابا بسيطا لهذه المسألة. افترض "نيقولاس" أن الشمس وليس الأرض هي مركز نظامنا الكوني، وأن الأرض تسير حول الشمس وليس العكس. وقد أثار هذا الاقتراح عاصفة من الجدل لأن الجميع كانوا يعتقدون أن الأرض هي مركز الكون وليس غيرها، وقد ظلت كفرضية حتى قام "جاليلو" بوضعها موضع الاختبار وبرهن على صحتها، وقد أحدثت هذه النتيجة انقلابا فلسفيا في الفكر العلمي.
وبالطريقة نفسها حدثت ثورة التسويق، فلم تعد الشركة هي مركز عالم الأعمال كما كان يعتقد بل "المستهلك" فانتقل الاهتمام من مشاكل الإنتاج إلى مشاكل التسويق، ومن السلع التي يمكننا صنعها إلى السلع التي يرغب فيها المستهلك، ومن المصنع الذي ينتج إلى السوق التي تعرض. وقد بدأت ثورة التسويق بثورة علم الفلك نفسها وستستمر في النمو ما دامت النظرية حولها قد درست واختبرت وبرهن على صحتها، نحتاج فقط إلى مزيد من التطبيقات حتى يصبح الاقتصاد حقيقة موجها نحو السوق.
حتى نعرف أبعاد هذه الثورة نحتاج إلى دراسة المراحل التي مر بها التسويق منذ ظهوره كفكرة مرورا بوظيفة البيع حتى أصبح علما له رموزه، ونظرياته، وتطبيقاته. وقد اختلفت مراحل تطور التسويق إلى عدة تصنيفات: صنف قسم هذه المراحل إلى ثلاثة أقسام: مرحلة التوجه بالمنتج، ومرحلة التوجه بالبيع، ومرحلة التوجه بالتسويق. صنف آخر رأى أنها تنقسم إلى أربع مراحل: التوجه نحو الإنتاج، والتوجه نحو البيع، التوجه نحو المستهلك ،التوجه نحو ترشيد الاستهلاك. صنف ثالث قسم المراحل إلى خمسة أقسام: مرحلة المفهوم الإنتاجي، مرحلة المفهوم البيعي، ومرحلة مفهوم التسويق الحديث، ومرحلة المفهوم الاجتماعي، ومرحلة التسويق الإلكتروني.
وبما أنه لا يوجد اختلاف جوهري بين هذه التصنيفات فيمكن إعادة ترتيب هذه المراحل التاريخية على النحو التالي: المرحلة الأولى يطلق عليها مرحلة التوجه نحو الإنتاج التي بدأت قبل الثورة الصناعية. المرحلة الثانية مرحلة التوجه نحو البيع التي بدأت بعد الثورة الصناعية. المرحلة الثالثة مرحلة التوجه نحو المستهلك، وقد ظهرت عام 1950 بعد تحول التصنيع من تقليدي إلى أوتوماتيكي. المرحلة الرابعة: مرحلة ترشيد الاستهلاك ويطلق عليها المفهوم الاجتماعي التي نشأت كردة فعل للأضرار الناتجة عن استخدام بعض المنتجات التي أدت إلى تلوث البيئة وسوء استخدام المواد بشكل عام. المرحلة الخامسة مرحلة التسويق الرقمي أو التسويق الإلكتروني التي يعيشها العالم هذه الأيام.
هذه لمحة تاريخية عن تطور علم التسويق منذ أن كان يسمى بيعا حتى أطلق عليه التسويق القديم ثم التسويق الحديث الذي سبب بروز منظمات مغمورة وأفول منظمات كانت بالأمس ظاهرة بارزة.

إنشرها