التواطؤ في العروض .. ونظام المنافسة السعودي

|

من المعلوم أن قوانين المنافسة بشكل عام تحرص على إيجاد بيئة تنافسية قوية، والسبب من وراء ذلك هو أن البيئة التنافسية القوية والعادلة تتولد عنها نتائج إيجابية نسبياً كانخفاض الأسعار ووفرة العروض وجودة المنتجات. وقد يتبادر للذهن أن نطاق قوانين المنافسة يرتكز على البيع والشراء أو الخدمات، والحقيقة أن قوانين المنافسة يمتد نطاقها لما هو أبعد من ذلك ليصل حتى ليشمل العروض المقدمة للمشاريع، حيث تحرص وتفرض قوانين المنافسة أن تكون العروض مقدمة بشكل تنافسي عادل، وتحظر في المقابل الممارسات التي تخالف المنافسة العادلة في ذلك ومن ذلك ما يعرف بالتواطؤ أو التلاعب بالعروض Bid Rigging. سيكون هذا النوع من المخالفات موضوع مقالتي هذه.
يمكن تعريف التواطؤ في العروض على أنه الاتفاق أو التنسيق الذي يتم بين المتنافسين عند التقدم بالعروض للمشاريع المطروحة، وتتعدد صور التواطؤ، لكن سأستعرض أكثر من صورة ولعله بالمثال تتضح هذه المخالفة. فلو قامت جهة من الجهات بالطلب من الشركات بتقديم عروضهم لبناء برج لهذه الجهة، وبعد الإعلان جاءت مجموعة من شركات المقاولات واتفقت فيما بينها أن تكون أسعارها متقاربة أو متساوية. ومن الصور في مثالنا السابق أن تقوم شركات المقاولات المتنافسة بالتنسيق فيما بينها، حيث تقوم شركة مقاولات واحدة بالتقديم على العرض في مقابل ألا تقوم بالتقديم في المشاريع الأخرى أو يتم الاتفاق بين شركات المقاولات المتنافسة على أن يقوم متنافس بينهم بالتقدم وحده على أن يقوم بمكافأتهم في حالة فاز بالمشروع.
هذا النوع من المخالفات يعتبر من أشد أنواع المخالفات التي تقسو فيها قوانين المنافسة على المخالفين وتوقع عليها عقوبات شديدة علاوة على كون جهات الرقابة المسؤولة عن قوانين المنافسة، إضافة إلى المحاكم قد لا تعطي مجالاً للنظر في عواقبه أو آثاره الجانبية، ولذلك فبمجرد حدوثه تعتبر مخالفة معاقبا عليها دون النظر في دوافعها أو آثارها الأخرى.
جاء نظام المنافسة السعودي ولائحته ليحرما ويحظرا على المتنافسين أن يتواطأوا فيما بينهم عند التقدم بعروض المناقصات والمزايدات، واستثنت اللائحة المناقصات والمزايدات التي يقوم المتنافسون فيها بتقديم عرض واحد يتم فيه الإفصاح عن اتحاد منافسين أو أكثر في تقديم عروضهم وفق قيد معين.
قد يتبادر للذهن أن التواطؤ يكون في المناقصات والمزايدات الحكومية، لكن الحظر الوارد في نظام المنافسة السعودي ولائحته لا يفرق بين كون المناقصة أو طلب العروض حكومية أو أهلية من القطاع الخاص.
يمكن تفهم الفلسفة أو الغاية التي تقوم عليها قوانين المنافسة عند حظرها هذا النوع من المخالفات في قوانين المنافسة بشكل عام وفي نظام المنافسة السعودي بشكل خاص، أن الجهة الحكومية أو حتى القطاع الخاص قد يرغب في طرح مناقصته لتتم المنافسة عليها، حيث من خلال هذه المنافسة تتمايز العروض ويقدم كل جهده في منافسة منافسيه وهو ما يطور الصناعة لهذا القطاع، وبالتالي يحفز هذا القطاع ليتم تقديم الخدمات أو السلع بناء على أسعار معقولة وبجودة عالية. وبالتالي أخذ أموال زائدة على الأسعار التنافسية في حالة المنافسة العادلة يكيف على أساس أنه أخذ مال بغير حق من خلال ممارسات احتكارية.

إنشرها