FINANCIAL TIMES

اليمين المتطرف يطرق أبواب السلطة في فيينا

كثير من اليساريين والليبراليين وحتى المحافظين المعتدلين الأوروبيين شعروا بالقلق بسبب وصول اليمين الشعبوي إلى المركز الثالث في الانتخابات الألمانية التي جرت في الشهر الماضي. لكن في النمسا المجاورة خيول الشعبوية اليمينية انطلقت منذ فترة طويلة.
الآن اليمين "المحترم" في النمسا، في محاولة لتفادي أن يداس بالأقدام، أخذ يقترض عددا من أقوى سياسات ولغة اليمين الشعبوي، التي تستجلب الأصوات. إنها تجربة طموحة في تحييد التطرف الذي يمكن أن يكون بشيرا لما ينتظرنا في أجزاء أخرى من أوروبا.
حصل الحزب الشعبوي اليميني "البديل لألمانيا" على 12.6 في المائة من الأصوات في انتخابات 24 أيلول (سبتمبر) منحته 94 مقعدا في مجلس النواب الألماني المكون من 709 أعضاء. لكن حزب الحرية، وهو أقرب حزب في النمسا لحزب البديل، لديه ضعف قوة الحزب الألماني. فبحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، من المقرر أن يحصل على 25 في المائة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي تجرى في النمسا في 15 تشرين الأول (أكتوبر).
إذا استطاع تحقيق مثل هذه النتيجة، ربما يكون جزءا من الحكومة المقبلة. يمكن أن يتعاون مع حزب الشعب المحافظ ÖVP، الذي يعد الأكثر حظوظا للفوز في الانتخابات، أو ربما مع الاشتراكيين الديمقراطيين SPÖ، إذا استطاعوا أن يحققوا انتصارا مفاجئا. وخلافا لما هي الحال في فرنسا وألمانيا وهولندا، الأحزاب السائدة في النمسا لن تواجه أية محظورات سياسية في مغازلتها لليمين الشعبوي. حزب الشعب المحافظ حكَمَ مع حزب الحرية في الفترة من عام 2000 إلى 2006. ردا على ذلك، نبذ بقية الاتحاد الأوروبي النمسا مؤقتا، لكن لا تكاد تكون هناك فرصة ليحدث هذا مرة أخرى – تغير المناخ السياسي في أوروبا كثيرا.
العوامل المسببة لنمو حزب الحرية كانت سابقة لحالة الطوارئ التي نتجت عن اللاجئين والمهاجرين في أوروبا عام 2015. مثل ألمانيا، تحولت النمسا قبل عدة عقود إلى بلد مفتوح للمهاجرين، بما في ذلك من الدول الإسلامية. استقبلت النمسا أعدادا كبيرة من طالبي اللجوء في عامي 2015 و2016، ما عزز الدعم لحزب الحرية المناهض للمهاجرين، والمناهض للإسلام.
في الوقت نفسه، استقر النظام السياسي في النمسا بعد عام 1945، كما في ألمانيا، على حزبين كبيرين من يمين الوسط ويسار الوسط. وفي فترة ما بعد الحرب حكم حزب الشعب المحافظ وحزب الاشتراكيين الديمقراطيين بصورة مستمرة تقريبا، من خلال ائتلاف. الثقافة السياسية التوافقية التي كانت أحيانا ملوثة بالفساد، واحتضان الحزبين للمبادئ الاقتصادية التقليدية، استعْدت كثيرا من الناخبين الذين يعيشون خارج فيينا، التي هي معقل للليبرالية الثقافية، أو الذين يشعرون بأن ازدهار النمسا فاتهم.
المشهد السياسي للبلاد مميز بطرق أخرى. على عكس "البديل لألمانيا"، الذي أنشئ في عام 2013، حزب الحرية فعل الكثير من حيث تشكيل السياسة النمساوية منذ الثمانينيات. وحقق تقدما عميقا في الحياة السياسية النمساوية أكثر من أي حزب يميني متطرف في ألمانيا منذ الحقبة النازية.
في العام الماضي، نوربرت هوفر، مرشح حزب الحرية، كان قاب قوسين من الحصول على الرئاسة النمساوية. وفي انتخابات أعيد إجراؤها بسبب مخالفات في التصويت حصل هوفر على 49.7 في المائة من الأصوات التي ألغيت في أيار (مايو) و46.2 في المائة في كانون الأول (ديسمبر). ومن حيث الاقتراع على مستوى البلاد، كان هذه أفضل أداء لليمين المتطرف في الديمقراطيات الأوروبية منذ عام 1945.
لكن منذ كانون الأول (ديسمبر) كان حزب الشعب المحافظ هو العامل في أن تشهد السياسة النمساوية التحول الأهم. سيباستيان كورز، زعيم الحزب منذ أيار (مايو)، أعاد تشكيل علامته المميزة على أنه حزب يميني موقفه المتشدد من المهاجرين والإسلام لا يكاد يختلف عن موقف حزب الحرية في بعض النواحي. ومطالبته بإغلاق رياض الأطفال الإسلامية على أساس أنها تهدد بإنشاء "مجتمع مواز" في النمسا أثارت ازدراء الاستراتيجيين في حزب الحرية، الذين اتهموه بالانتحال السياسي.
عملية إعادة تشكيل العلامة المميزة للحزب التي أقدم عليها كورز تتعلق بالأسلوب والمضمون. كان عمره 27 عاما فقط عندما أصبح وزيرا لخارجية النمسا في عام 2013، وكان يطلق عليه "فوندرفوزي" – الشخص الذي تتقدم حياته المهنية بسرعة. بعد سيطرته على آليات وموارد حزب الشعب المحافظ، هو الآن يدير حملته الانتخابية تحت اسم – القائمة الجديدة لسيباستيان كورز – حزب الشعب الجديد. تخلى كورز عن اللون الأسود، وهو اللون التقليدي للحزب، الذي يرمز لثوب الكاهن والرعاية الكاثوليكية الاجتماعية. واستبدل به اللون الفيروزي – الذي تفوح منه، كما يقول حلفاؤه، رائحة "فورترزي"؛ بحيرة خلابة جنوبي النمسا.
تكتيكات كورز الذكية والتخريبية تجعل منه نسخة نمساوية محافظة من إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي الشبيه له في الشباب تقريبا. ومع ذلك كورز ليس نسخة عن ماكرون. على عكس الزعيم الفرنسي، فهو يمارس تمرده ليس من خارج المؤسسة السياسية للأحزاب، ولكن من الداخل. علاوة على ذلك، هو يضع تركيزا أكبر بكثير من ماكرون على الجاذبية الانتخابية للغة غير منمقة بشأن الهوية الوطنية والمهاجرين ومكانة الإسلام في المجتمع.
على مدى عدة سنوات كانت السياسة النمساوية تسير على هذا الطريق. الائتلاف الحاكم المؤلف من حزب الشعب المحافظ وحزب الاشتراكيين الديمقراطيين أجاز هذا العام "حظر البرقع"، على الرغم من أنه لا يوجد تقريبا أي مسلمة في النمسا ترتديه. وكان ذلك رد فعل على صعود حزب الحرية واستياء بعض شرائح المجتمع النمساوي. إذا فاز كورز بنسبة لا بأس بها في الأسبوع المقبل، فإن أحزاب يمين الوسط الأوروبية الأخرى سوف تعدِّل جلستها وتتنبه للموضوع.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES