التراث كرافد اقتصادي وحضاري

|
يعرف التراث الثقافي بأنه ميراث المقتنيات المادية وغير المادية التي تخص مجموعة ما أو مجتمعا لديه موروثات من الأجيال السابقة، وظلت باقية حتى الوقت الحاضر ووهبت للأجيال المقبلة. -بحسب تعريف منظمة اليونسكو. يمكن تناول مفهوم التراث من وجهة نظر استراتيجية واقتصادية وذلك عبر استخدام نظرية قوة الدولة التي تتناول قوة الدولة الجغرافية والتاريخية كمصدر حضاري، لاسيما في وقت تؤثر فيه كل من التغييرات الاقتصادية والسياسية الدولية والتوجهات المحلية. تتبوأ المملكة مكانة تاريخية وتراثية مميزة، وذلك لعمقها الحضاري الذي يعود لأكثر من مليون سنة وتؤكد ذلك الشواهد الأثرية والتراثية المنتشرة في بلادنا. وما قام على أرضها من ممالك ودول أسهمت في مسيرة الحضارة الإنسانية. علاوة على موقعها الجغرافي المميز الذي جعلها نقطة تقاطع لطرق التجارة الدولية عبر جميع العصور، وكونها مهد العروبة والإسلام وبلد الحرمين الشريفين وملتقى للحضارات وجسرا للتواصل الحضاري. تشكل التجمعات أو ما يمكن أن يسمى الكتل العنقودية: وهو الوجود المكثف في المكان الجغرافي نفسه لأنشطة متشابهه لضمان النجاح والتنافسية في مجالات محددة واحدة. وهنا السؤال الذي نطرحه: أين تقف وكيف يمكن اعتبار المواقع التراثية كإحدى تلك الكتل العنقودية الداعمة لتنافسية الاقتصاد؟ تناول مايكل بورتر مفهوم الكتلة أو "العنقود" كضرورة للتنمية التراثية، حيث لا يتم وجود تنمية تراثية دون تكامل "عنقودي" من بقية جهات وخدمات ما قبل وما بعد ترمي إلى هدف واحد وتساعد في التنافسية والإبداع، إن مفهوم الكتلة أو "العنقود" يعتبر ضرورة للتنمية التراثية، حيث لا تكتمل التنمية التراثية دون تكامل "عنقودي" من بقية الجهات والخدمات ما قبل المنتج أو الحدث التراثي والثقافي وما بعد إنتاجه، وهي تعزز في الوقت ذاته التنافسية والإبداع، علاوة على إيجاد الوظائف الريادية الخاصة بإنشاء المحتوى أو إيجاد منتجات ذات أبعاد تراثية وثقافية تخص البيئة المحلية. توجد مثل تلك التجمعات أعدادا كبيرة من الوظائف ويكون ذلك عبر إدماج الشباب في بعض المعرفة الحرفية وتمكينهم من إنشاء خطوط إنتاج مصغرة ثم بعد ذلك ربط خطوط الإنتاج باستراتيجيات للتسويق عبر الوسائل التقنية، مثل المتاجر الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وأيضا ربطها بخدمات التوصيل لإيصالها لكل العالم وليس فقط لزوار تلك الأماكن التراثية. يطرح مايكل بورتر مفهوم الكتلة أو "العنقود" بتجميع الشركات المتشابهة والأنشطة المتشابهة، في منطقة جغرافية محددة "ستكون المنطقة التراثية"، ويشير بورتر إلى الشركات المترابطة والمؤسسات المرتبطة بها في مجال معين، ويربطها به القواسم المشتركة والعوامل الخارجية، وكذلك يضاف إليها كل الخدمات الثانوية التي تسهم في كمال المنظومة "العنقود" وبالتالي إيجاد فرص أساسية للاستثمار وفرص فرعية، مستخدمة بذلك التكنولوجيا والإبداع في تعزيز وتضخيم القيمة والمردود المالي، "وفي حالة التراث المردود الحضاري أيضا". تلعب الأماكن التراثية دورين مهمين الأول أن تلك الأنشطة يمكن أن يكون لها علاقة بالتراث مثل الصناعات التقليدية، والإنتاج والتسويق بشكل احترافي. ويمكن كذلك أن تلعب دورا كحاضنة لأنشطة مختلفة تعطي هوية ثقافية وحضارية لهذا النشاط. ومع التطور التكنولوجي حاليا لا يمكن أن يؤثر إنشاء تلك التجمعات تأثيرا سلبيا في البنى التحتية للتراث فكثير من التقنية حاليا تتجاوز عمل أي أثر سلبي في البنية التحتية للتراث، بل ستساعد في ترميمه وتحديثه دون المساس بعراقته. تعتبر كذلك صناعة المحتوى التراثي من الروافد الاقتصادية، حيث تقف خلف كل قطعة تراثية أو موقع تراثي، قصة وتاريخ وحدث. بعض تلك الأحداث مسجلة ومحفوظة عن طريق الموروث الشعبي أو القصائد، وبعضها لم تحفظ، وهنا تتجلى الفرصة في الاستثمار في إمكانية لا متناهية من صناعة المحتوى لهذا التراث واستخدامه بعد ذلك بشكل إيجابي بمردود اقتصادي، يسهم في القصة والحدث ويتناول الإنسان والزمان والمكان. يعتبر التراث قوة حضارية واقتصادية إذا ما تم تفعيلها، يمكن استخدامها في الخارج كعامل في الدبلوماسية أو في دبلوماسية الاقتصاد، بطرح المملكة ليس نموذجا نفطيا، بل نموذجا حضاريا يعود تاريخه وحضارته وتراثه إلى أقدم الحضارات البشرية، ومن هنا يكون هذا النموذج عاملا جاذبا داخليا كذلك للسياحة وداعما لهوية الإنسان، وعاملا يعزز الاقتصاد الوطني وكذلك صورة المملكة الحضارية الدولية. وبالله التوفيق.
إنشرها