ما حكم التسعير؟ .. قراءة فقهية واقتصادية

|
من يطلع على ما كتب في كتب فقهية عن التسعير، يجد اتجاهين رئيسين: فريق يمنع التسعير، والفريق الآخر يجيز التسعير عند الحاجة. وقد يصبح واجبا في حالات. وعامة أو جمهور الفقهاء المعاصرين يرون جواز التسعير عند الحاجة. وأشهر مدافع عن جواز التسعير عند الحاجة هو الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم- رحمهما الله تعالى. ومن يرغب في التوسع فله الرجوع إلى كتاب "الحسبة" لابن تيمية، وكتاب "الطرق الحكمية" لابن القيم. وقد تكلم الشيخان في كتابيهما عن التسعير وعن تصرفات تجارية أخرى كثيرة غير مشروعة. وقد عرف عن ابن تيمية خصوصا سعة علمه وتبحره في علوم كثيرة. والقول إن التسعير جائز عند الحاجة قائم على أن الله- سبحانه- يأمر بالعدل وينهى عن البغي والظلم، وممارسة التجارة قد ينشأ منها إخلال بالعدل وإجحاف بالناس واستغلال لهم. النقاش يتوجه إلى كلمة "الحاجة". مثلا، ما حدود هذه الحاجة؟ كيف نعرف أن ما يطلب تسعيره يباع بأسعار فيها ظلم واستغلال للناس؟ هذه القضايا وأمثالها لم يرد بشأنها تفصيل أو تحديد من الشرع، ومصدر العلم بها أو التعرف عليها يكون عبر النظر ودراسة وبحث ورأي ذوي الاختصاص، وللخبرة والعرف دور في تقدير أو تحديد السعر عندما يقتنع بوجود حاجة إلى التسعير. وقلت «الكون» أخذا من الدكتور جعفر شيخ إدريس، الذي له أبحاث ومقالات قيمة في قضايا ذات علاقة بمنهجية العلوم، ومن هذه المقالات "الأجوبة الإسلامية عن الأسئلة الفلسفية"، منار السبيل، السنة الثانية، العدد 8، رمضان 1414هـ الموافق شباط (فبراير) ـــ آذار (مارس) 1993. جاء في مقالته: "فمصادر العلم عند المسلم هي «الكون والوحي»، ووسائله هي الحس والعقل، وأما المنهج فيختلف باختلاف نوع العلم ونوع المصدر. فمن الخطأ إذن أن نقول- كما يقول بعض المتدينين- إن مصادر العلم أو وسائله هي «الحس والوحي»، أو إن المنهج العلمي خاص بالعلوم التجريبية". انتهى كلامه. واستنادا إلى التوضيح السابق، أنقل هنا بعض أهم ما قاله ابن تيمية عن التسعير، ثم أعلق عليها في ضوء التخصص الاقتصادي: "فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر، إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.. وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل‏:‏ فهو جائز، بل واجب‏". بعض كلام المؤلف هو من شأن الفقه، وبعضه ليس كذلك، وهو موضع الاهتمام هنا: قوله "الوجه المعروف.. عوض المثل:"، ليس لها حدود مقدرة، ومعايير محددة شرعا، ولذا فإن الفقهاء ليسوا أولى من غيرهم في إعطاء رأي في معرفة وتقدير الوجه المعروف وعوض المثل ونحو ذلك. وأقول هذا لأن بعض الناس يخلط بين معرفة المبادئ ذات العلاقة "مثل وجوب العدل وتحريم الظلم والغش والخداع، واستغلال الناس"، وبين تطبيق هذه المبادئ على الواقع المستلزم الرجوع إلى العرف والخبرة و/أو المعرفة الفنية. قوله "ارتفع السعر إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق"، واضح أنها تفسيرات لأسباب ارتفاع السعر. ومثل هذه التفسيرات ليست أحكاما شرعية مستنبطة، بل مصدرها الكون "وفق تعبير الشيخ إدريس"، بالمعنى الذي سبق ذكره في الفقرة السابقة، وهي من صميم نظرية الاقتصاد الجزئي. تفسيرات المؤلف ـــ رحمه الله ــــ تعد نظرة منه في فهم عمل الأسواق، وهي نظرة تدل على سعة فهم وقوة ملاحظة، ويجب أن تقرأ تلك التفسيرات في إطار الفهم السائد آنذاك لآلية السوق، آخذا بعين الاعتبار بساطة الحياة، وبساطة الفهم لعمل قوى السوق آنذاك، خلاف أنه (ابن تيمية) لم يكتب أصلا بهدف شرح عمل السوق بالبسط والتفصيل. وقوله "كثرة الخلق" تعتبر عبارة مجملة من وجهة علم الاقتصاد، حيث المعول زيادة الطلب، وزيادته غالبا بسبب زيادة الدخل، وقد يحدث هذا دون زيادة عدد الناس، مثلا بسبب تحسن التقنية، أو زيادة متوسط إنتاجية العامل الواحد. النمو السكاني يجلب غالبا زيادة دخل. وفي هذه الحالة قد تكون الزيادة في الدخل أعلى أو في الناس "نمو السكان" أعلى، وقد لا يزيد الدخل "الحقيقي" إلا قليلا، بينما يزيد السكان كثيرا، ومن ثم يقل المستوى المعيشي لأغلبية السكان، ويحدث غالبا تغيير في نمط الاستهلاك، بما يزيد الطلب على سلع، وغالبا تعمل هذه الزيادة على رفع أسعارها، وفي المقابل، يقللها على سلع أخرى، وقد يخفض أسعارها. كما أن السعر قد يرتفع دون ظلم من الناس، ولو لم يقل الشيء ولم يكثر الخلق، ولم يزد الدخل، لسبب خارجي مثل انخفاض سعر الصرف، أو ارتفاع السعر من بلد التصدير. وباختصار، السعر يخضع لعمل قوى كثيرة جدا في وقت واحد، ولابد من التعرف عليها وفرزها. وتبحث هذه الأمور بالتفصيل في الاقتصاد الجزئي. ومن جهة أخرى، ارتفاع السعر، إذا كان مستمرا، وأصاب المستوى العام للأسعار، فيسمى في علم الاقتصاد التضخم، وهو يبحث بالتفصيل في الاقتصاد الكلي. ومن نقاط البحث دراسة العلاقة بين عرض النقود والمستوى العام للأسعار، ولم يكن هناك من معنى لبحث هذه العلاقة إلا بعد ظهور النقود الورقية والمصارف، مع الثورة الصناعية.
إنشرها