العالم على أعتاب حقبة نفطية جديدة

|

قيل وكتب كثير عن أفول عصر النفط والغاز وطلوع فجر الطاقة البديلة. لا ينكر أن هناك محاولات حثيثة وناجحة للبحث عن بدائل النفط، ولكن ما زلنا بعيدين ليس بعقود بل ربما بنحو قرنين أو أكثر عن الاستغناء عن الذهب الأسود.
قد تكون السويد أول دولة في العالم تعلن اعتمادها التام على مصادر الطاقة البديلة في عام 2040، هذا إن صدقنا أقوال المسؤولين وتنبؤات مراكز الأبحاث.
ولكن رغم الضجيج والتغطية الإعلامية الكبيرة التي رافقت وترافق خطط الحكومة السويدية والاستثمارات الهائلة التي توظفها في هذا المجال، فليس هناك في الأفق ما يؤكد أن الهدف قابل للتحقيق.
هناك اليوم من يقول لا بل يؤكد أن النفط والغاز سيبقيان من المصادر المهمة للطاقة في السويد على أقل تقدير حتى نهاية القرن.
إذا كان بلد فائق التطور في أغلب الحقول المعرفية والصناعية والتكنولوجية والتنظيمية يخفق في فك ارتباطه بمصادر الطاقة الهيدروكربونية مثل النفط والغاز، فما بال دول العالم الأخرى؟!
ولأن الطاقة الهيدروكربونية ستبقى معنا زمنا طويلا، أخذت الدول الكبيرة والقوية تعدّ الخطط والأساليب التي ستجعلها ليس في مقدمة الدول المنتجة وحسب، بل تمكنها من توظيف النفط والغاز سلاحا مؤثرا في العلاقات الدولية.
لا يخفى أن الدول التي تمسك بزمام التجارة الدولية وزمام الاقتصاد والمال كانت السباقة لاستخدام إمكاناتها هذه في خدمة مصالحها. والتاريخان القديم والحديث مليئان بالأحداث والمواقف والممارسات التي يكون فيها للتجارة والمال والاقتصاد دور في رسم مسار الأحداث.
لقد كان الشرق الأوسط ولا يزال- خصوصا دوله المنتجة للنفط والغاز- محط أنظار العالم، ولكن يبدو أن سيطرة هذه الدول على حلقات الطاقة في طريقها إلى الأفول.
نحن اليوم في مرحلة أخذت فيها بعض الدول الأكثر استهلاكا للطاقة الهيدروكربونية زمام الإنتاج والتصدير وربما هي في طريقها لإزاحة هيمنة الدول المنتجة في الشرق الأوسط على أسواق النفط والغاز.
وفي مقدمة هذه الدول تأتي الولايات المتحدة التي أخذت تتحول من مستورد ومستهلك كبير إلى منتج وربما إلى مصدر رئيس.
شركات الطاقة الأمريكية استطاعت احتواء أزمة انخفاض الأسعار التي كانت قد وصلت إلى نحو 20 دولارا للبرميل قبل أن تتحسن تدريجيا وتصل الآن الى أكثر من 50 دولارا.
ما قد لا يعرفه كثيرون هو أن فترة انخفاض أسعار النفط استثمرتها الشركات لتقليل نفقات الاستخراج وأسعار أجهزة الحفر إلى درجة تحقيق ربح لا بأس به عندما تكون معدلات الأسعار في حدود 25 ـــ 30 دولارا.
والآن وبعد وصول الأسعار إلى أكثر من 50 دولارا، أخذت الشركات في توسيع التنقيب والاستخراج والحفر مستفيدة من هامش الربح ولكن بصورة كبيرة من القروض التي صارت تنهال عليها من المصارف بعد فترة من التردد والركود.
والمصارف تفتح خزائنها للشركات النفطية عند زيادة الأسعار التي بدورها ترفع من قيمتها السوقية استنادا إلى الاحتياطات المثبتة مع ارتفاع أسعار النفط.
إنتاج الولايات المتحدة من النفط متوقع له أن يبلغ نحو عشرة ملايين برميل في عام 2018. حتى الآن لم ترفع الحكومة الأمريكية الحظر عن تصدير النفط.
وهناك زيادة في إنتاج الغاز في أمريكا إلى درجة أنها بدأت بالتصدير والشروع ببناء البنى التحتية تحسبا للدخول في الأسواق العالمية ليس كمنتج بل كمصدر رئيس.
وتحاول دول صناعية أخرى مثل أستراليا وبريطانيا والصين أيضا الدخول إلى معترك استخراج النفط والغاز الصخري أو الرملي، حيث التكنولوجيا الحديثة متوافرة وبتكلفة ميسورة.
الدول المنتجة للنفط ضمن نطاق منظمة أوبك مثلا قد تكون في وضع لا تحسد عليه في حالة بروز عملاق نفط وغاز جديد، في حين أنه- في الأساس- عملاق على مستوى العالم وفي يديه تقريبا مفاتيح التجارة الدولية والمال.
مهما بلغت معدلات إنتاج وتصدير الغاز لدى أمريكا، فإن وقعها ووقع تقلب الأسعار عليها لن يكون أبدا بالتأثير ذاته في دول "أوبك" مثلا أو دول أخرى مثل روسيا.
ولهذا لم أستغرب عند قراءتي تصريحا لريان زينكي وزير الداخلية الأمريكي الذي قال فيه إن واشنطن ستلجأ إلى بسط نفوذها الاقتصادي الجديد كمنتج كبير للنفط والغاز للتأثير ليس في الأسعار بل في سياسات ومواقف الدول المنتجة في الشرق الأوسط أو غيرها.
الدول المنتجة للنفط، ولا سيما التي تستند موازناتها إلى واردات النفط حدّ الإدمان، مدعوة إلى تنويع اقتصادها ووارداتها. دولة عظمى مثل أمريكا من دون النفط والغاز لها سطوة اقتصادية يخشاها الكل.
لنا أن نتخيل كم سيزداد تأثيرها في التجارة الدولية وتبادل السلع وتحويل الأموال إن رفعت سلاح الحصار في وجه أي جهة بعد أن تصبح مقاليد إنتاج وأسعار الطاقة بيدها.
الأحداث تدلل بالبرهان القاطع أن الأقوياء لن يتورعوا عن اللجوء إلى الاقتصاد لتحقيق أهداف وغايات واستراتيجيات لا يتمكنون من الوصول إليها من خلال استخدام السلاح.

إنشرها