بدائل الثواب والعقاب «2»

|

ما زلنا في موضوع بدائل الثواب والعقاب وبقيت لنا نقطة واحدة وهي تحفيز أفراد الأسرة على محبة التغيير الإيجابي. يقول البعض إن الناس تقاوم التغير وهذا غير صحيح لأن طبيعة الحياة في تغير مستمر ولهذا يتغير الأفراد طوعا أو كرها فالذي لا يتغير هم الجمادات والأموات أما الحياة والأحياء فهم في تغير مستمر لا ينقطع. قال شاعر الحب والثورة الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي:
والقيدُ يأَلَفُهُ الأمواتُ، مالَبِثوا
أمَّا الحيَاة فيُبْليها وتُبْليهِ
البعض يخشى ألا يقبل أبناؤه التغيير ونحن نقول أن لا داعي للخوف والقلق فالتغيير طبيعة بشرية نتقبله كل يوم من حيث ندري ولا ندري. فأنت لست أنت كما كنت في العام الماضي بل لست أنت كما كنت بالأمس القريب. وابنك أيضا قد تغيرت ملامحه وعاداته وسلوكياته وزوجتك أيضا أخذت نصيبها من التغيير. ونحن جميعا نحب التغيير من أجل مستقبل مشرق حتى لو كانت حياتنا الحالية جذابة ومريحة ولكننا نسعى إلى تغييرها للوصول للأفضل. وكل فرد في هذه الحياة تعرفه أو لا تعرفه أصابه التغيير ليس بسبب طبيعة الحياة فحسب بل طبيعة البشر ورغبتهم في ذلك. قال الفيلسوف الإغريقي "هرقليط" منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد "كل شيء يتغير إلا قانون التغير إنكم لا تهبطون نهرا بعينه مرتين، فالنهر يتغير كل ثانية وكذلك الرجل الذي يهبط إلى النهر يتغير هو أيضا، فالحياة في تغير لا ينقطع".
والسؤال: طالما أن الناس لا تخشى التغيير ولا تهابه فلماذا نجد أحيانا مقاومة له؟ الإجابة تكمن في أن البشر تخاف من وعورة الطريق للوصول إلى ما تريده. أي الخوف من حالة عدم التأكد أو الخوف من الإخفاق في الوصول إلى المأمول بسلام. فهم يخافون لأنهم لا يفهمون ما ستسفر عنه الرحلة وما العواقب المتوقعة؟ وأين الأمان حتى أصل؟ فالمستقبل مشرق ولكن يخشى الناس من إخفاقات الوصول إليه فيقاومون التغيير أما التغيير في حد ذاته فهو طموح النفس الإنسانية. كل هذا يحدث عندما تكون هناك منطقة غامضة بين الوضع الحالي وبين الوضع المرغوب الوصول إليه. ولهذا نجدهم يحجمون عن التقدم ويقاومون التغيير ليس بسبب خوفهم من المستقبل بل لسبب عدم اطمئنانهم للطريق.
لذا ينبغي عليك كأب طالما عرفت أن أبناءك يقاومون التغيير ليس كرها فيه بل خوفهم من الطريق ومن رحلة التغيير لأنهم اعتادوا على الوضع الراهن وتكيفوا معه والرحلة إلى المستقبل الجميل تبدو في أذهانهم خطرة خصوصا إذا كان هناك غموض وعدم وضوح المسار. فإذا رغبت في إحداث تغيير إيجابي داخل الأسرة فعليك أن تبين لهم الطريق وتوفر لهم المعلومات الكافية لطمأنتهم إلى السير بثقة حتى يغيروا ما بأنفسهم فتتغير سلوكياتهم فيصلون إلى طموحاتهم وتحقيق أحلامهم. ولكي يتخطى الأب هذا الموقف ينبغي إعطاء مزيد من المعلومات الموثوقة والشيقة كما يمكن دفعهم إلى التغيير عن طريق تصوير المستقبل العذب وتجاهل الطريق الموصل إليه.
وقبل أن أنهي سلسلة بدائل الثواب والعقاب أريد أن أعرج على أسلوب تربوي مازال يمارس من قبل بعض الآباء ويظنه البعض مجديا يطلق عليه أسلوب "السير مع التيار". ويقصد بسياسة السير مع التيار أي استغلال العقل الجمعي في تحفيز الابن لسلوك معين. مثل أن تقول لابنك "لا تكن منفردا بهذا التصرف الشاذ عن بقية أفراد الأسرة في موضوع قيادة المرأة للسيارة". فعبارة كهذه ترغمه على قبول شخصية نمطية واتباع العقل الجمعي. والتحفيز عن طريق العقل الجمعي غير مجد البتة فهذا يقيد حركة الابن وحريته في إظهار كل ما عنده من قدرات منحه الله إياها. رفض البعض السير وراء العقل الجمعي لا يعد شذوذا ولا مخالفا فهو سلوك طبيعي لأن الناس مختلفون في أذواقهم وآرائهم وأنماط شخصياتهم كما أن الذي يشذ عن البقية وعن السلوك العام عادة هم من يمتلكون نسبة ذكاء مرتفعة نسبيا.
وأريد أن ألخص الأفكار الجوهرية لهذه السلسلة فأقول إن هناك عدة طرق على الأب أن يستخدمها لتحفيز أبنائه وبناته ومن هم تحت لوائه والتخلي عن أساليب تربوية عتيقة أثبتت فشلها أولها منهج الثواب والعقاب الذي ابتدعه التربويون وكرروه على مسامعنا حتى أصبح هو الأسلوب الوحيد في التحفيز ودفع أبنائنا إلى تغيير سلوكهم. ولا نقصد التخلي عن الثواب والعقاب تماما فنحن لا نستطيع ولكن يمكن أن يستخدم عند الضرورة ولا يكون هو الأسلوب الشائع وعدم النظر إليه على أنه حافز بل محرك مؤقت ورديء للسلوك كما سبق أن بينا ذلك في مقالات سابقة. إن عليك كأب وكأم وولي أمر ألا تكون ضحية لأساليب تربوية غير مجدية مثل إرغام الجميع على اتباع العقل الجمعي فهذه غير مناسبة لجيل اليوم. كما عليك أن تدرك أن الناس لا تقاوم التغيير ولا تخافه في ذاته. توجد مقاومة للتغيير ولا خوف من التغيير في حد ذاته فالجميع يحبون التغيير ويستجيبون طواعية لتغيير سلوكهم وأداء الأعمال بكل مرونة إذا لامس ذلك رغباتهم ومس حاجياتهم واتفق مع أهدافهم.

إنشرها