ارتفاع دين الأسر .. ما يعنيه للنمو والاستقرار

|

الدين يدفع عجلة الاقتصاد. فهو يتيح للأفراد تنفيذ استثمارات كبيرة ـــ مثل شراء منزل أو الالتحاق بالجامعة ـــ مقابل رهن بعض إيراداتهم المستقبلية.
كل هذا جيد من الناحية النظرية. ولكن، كما بينت الأزمة المالية العالمية، النمو السريع لدين الأسر ـــ وخاصة القروض العقارية ـــ يمكن أن يكون خطرا.
وقد أصدر الصندوق دراسة جديدة تلقي نظرة أعمق على العواقب المرجحة لنمو دين الأسر في أنواع مختلفة من الاقتصادات، وعلى الخطوات التي يمكن أن يتخذها صناع السياسات لتخفيف هذه العواقب وإبقاء الدين ضمن حدود معقولة. والرسالة العامة التي تقدمها هذه الدراسة هي أن هناك مفاضلة بين ما ينطوي عليه تزايد الديون من منافع على المدى القصير وتكاليف على المدى المتوسط، ولكن صناع السياسات يمكنهم القيام بالكثير لتيسير البت في هذه المفاضلة، طبقا للفصل الثاني في عدد تشرين الأول (أكتوبر) 2017 من تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر عن الصندوق.
ولعلكم تظنون أن الناس أصبحوا أكثر تهيبا لاقتراض المزيد نظرا للمشقة واسعة النطاق التي ترتبت على الأزمة. ولكن المثير للدهشة أن هذا لم يحدث. فمنذ عام 2008، ارتفع دين الأسر كنسبة من إجمالي الناتج المحلي في عينة من 80 بلدا. وفي الاقتصادات المتقدمة، ارتفعت نسبة الدين الوسيطة إلى 63 في المائة في العام الماضي، صعودا من 52 في المائة في 2008. وفي الاقتصادات الصاعدة، زادت من 15 إلى 21 في المائة.

انعكاس المقادير
وترجح دراستنا أن يؤدي ارتفاع نسبة دين الأسر إلى إعطاء دفعة للنمو الاقتصادي وتوظيف العمالة على المدى القصير. ولكن هذه الآثار تتخذ مسارا معاكسا في غضون ثلاث إلى خمس سنوات، حيث يصبح النمو أبطأ من المتوقع وتزداد احتمالات وقوع أزمة مالية. وتشتد هذه الآثار في مستويات المديونية الأعلى المعتادة في الاقتصادات المتقدمة، بينما تضعف في مستويات المديونية الأقل السائدة في الأسواق الصاعدة.
فما الداعي لتلك المفاضلة إذن؟ أولا، لأن الأسر تتحمل دينا أكبر لشراء أشياء مثل المساكن والسيارات الجديدة، وهو ما يعطي الاقتصاد دفعة قصيرة الأجل لأن مصانع السيارات وبناة المساكن يشغلون عددا أكبر من العمالة. ولكن الأسر المثقلة بالديون قد تحتاج إلى خفض الإنفاق لاحقا لسداد القروض. وكما بينت أزمة 2008، يمكن أن يؤدي حدوث صدمة اقتصادية مفاجئة ــــ كهبوط أسعار المساكن ـــ إلى حدوث دوامة من حالات العجز عن السداد تهتز لها دعائم النظام المالي.
وبشكل أكثر تحديدا، تخلص دراستنا إلى أن زيادة دين الأسر بمقدار خمس نقاط مئوية كنسبة من إجمالي الناتج المحلي على مدار ثلاث سنوات تنبئ بانخفاض قدره 1.25 نقطة مئوية في النمو المعدل حسب التضخم بعد ثلاث سنوات في المستقبل. ويرتبط ارتفاع الدين بارتفاع كبير في البطالة لفترة تصل إلى أربع سنوات في المستقبل. ويؤدي ارتفاع الدين بمقدار نقطة مئوية واحدة إلى زيادة احتمالات حدوث أزمة مصرفية في المستقبل بنحو نقطة مئوية واحدة. وهذه زيادة كبيرة، إذا علمنا أن احتمال وقوع أزمة هو 3.5 في المائة، حتى دون زيادة في الدين.
والخبر السار هنا هو أن أمام صناع السياسات سبلا لتخفيض المخاطر. فالبلدان ذات المديونية الخارجية الأقل وأسعار الصرف المعومة، والأكثر تطورا من الناحية المالية، تكون في وضع أفضل لتجاوز العواقب.

تخفيف المخاطر
وما يساعد في هذا الصدد أيضا تحسين القواعد التنظيمية في القطاع المالي وتخفيض عدم المساواة في توزيع الدخل. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فبإمكان البلدان تخفيف المخاطر أيضا باتخاذ إجراءات خافضة لدين الأسر، كتعديل المقدم المطلوب لشراء المساكن أو النسبة من دخل الأسر التي يمكن تخصيصها لسداد مدفوعات الدين. وبالتالي، فإن جودة السياسات والمؤسسات والقواعد التنظيمية تُحْدِث فرقا ـــ حتى في البلدان التي يسجل فيها دين الأسر مستوى مرتفعا كنسبة من إجمالي الناتج المحلي. أما البلدان التي تطبق سياسات أضعف فهي أكثر تعرضا للخطر – حتى إذا كانت المستويات المبدئية لدين الأسر فيها منخفضة.

إنشرها