الصيرفة المركزية والتكنولوجيا المالية .. عالم شجاع جديد «3»

|

إنه عالم يتميز بدورات تطوير المنتجات البالغة ستة أشهر وعمليات التحديث التي لا تتوقف، ولا سيما لبرمجيات الكمبيوتر، حيث تولَى قيمة كبيرة لبساطة واجهات المستخدم والأمن الموثوق. عالم البيانات فيه هي الملك. عالم يضم أطرافا فاعلة جديدة دون الحاجة إلى مقار للفروع.
وقد يرى البعض أن هذا يضع علامة استفهام على نموذج الصيرفة الجزئية كما نعرفه اليوم، إذا تقلص الطلب على الودائع المصرفية وتدفقت الأموال إلى الاقتصاد من خلال قنوات جديدة.
إن البنوك المركزية اليوم عادة ما تؤثر في أسعار الأصول عن طريق وسطاء السوق الأولية، أو البنوك الكبيرة، التي تقدم لها السيولة بأسعار ثابتة ـــ ما يسمى عمليات السوق المفتوحة. ولكن إذا كانت أهمية هذه البنوك ستتوارى في العالم المالي الجديد، وإذا كان الطلب سيتراجع على أرصدة البنوك المركزية، فهل يمكن أن يظل انتقال آثار السياسة النقدية بالفعالية نفسها؟
وإذا كان هناك ما قد تضطر له البنوك المركزية بالفعل، فسيكون زيادة عدد الأطراف المقابلة في عملياتها. وبنك إنجلترا يقود الطريق بالفعل من خلال إدخال وسطاء/ متعاملين كبار وغرف مقاصة مركزية مقابلة.
ولكل هذا انعكاسات تنظيمية بطبيعة الحال. فزيادة الأطراف المقابلة يعني دخول عدد أكبر من الشركات تحت المظلة التنظيمية للبنك المركزي ـــ وهو الثمن الذي يدفع للحصول على السيولة في أوقات العسر. أما مسألة ما إذا كان المستقبل يحمل من هذه الأوقات أكثر أم أقل فهو سؤال مفتوح. ومع ذلك فإن تحسين تنظيم مصارف الظل أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وقد حقق مجلس الاستقرار المالي تقدما في هذا المجال بالفعل تحت قيادة، مارك.
وستتوسع مهام البنوك المركزية، ومعها ربما تزداد ضغوط التمحيص العام والضغوط السياسية. وستحتاج الاستقلالية ــــ على الأقل في وضع السياسة النقدية ــــ إلى مزيد من التحصينات كما ستتطلب تواصلا أكثر وضوحا.
وقد نرى أيضا تحولا في الممارسات التنظيمية. فالأجهزة التنظيمية تركز في العادة على الإشراف على كيانات محددة بدقة. ولكن مع دخول مقدمي الخدمات الجديدة بصور وأشكال جديدة، قد لا يكون من السهل إدراجها ضمن الفئات القائمة. فكروا في شركة للتواصل الاجتماعي تقدم خدمات مدفوعات دون إدارة ميزانية عمومية نشطة. ما العنوان الذي يمكن استخدامه لتصنيفها؟
كل هذا موات للمحامين، ولكنه ليس مواتيا بالقدر نفسه للأجهزة التنظيمية التي ستضطر، على الأرجح، إلى توسيع نطاق تركيزها من الكيانات المالية إلى الأنشطة المالية ـــ مع إمكانية أن تصبح من الخبراء في تقييم سلامة وأمن الخوارزميات المستخدمة. الكلام أسهل من الفعل.
وكي تصبح الأمور أكثر سلاسة ـــ بدرجة ما على الأقل ـــ نحتاج إلى إجراء حوار بين الأجهزة التنظيمية المتمرسة والأجهزة التنظيمية التي بدأت أخيرا في التعامل مع التكنولوجيا المالية، بين صناع السياسات والمستثمرين وشركات الخدمات المالية، وبين البلدان.

إنشرها