ثقافة وفنون

المترجمون .. بريد الروح الإنسانية

يخلد العالم في 30 سبتمبر من كل عام اليوم العالمي للترجمة، الذي يصادف ذكرى وفاة القديس جيروم (347 - 420)؛ المؤرخ واللاهوتي المتحدر من منطقة دالماسيا- كرواتيا حاليا- الذي تولى ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية عن العبرية. وفاء لروح الأب المؤسس، دأب الاتحاد الدولي للمترجمين (International Federation of Translators) على الاحتفال بهذا اليوم العالمي منذ سنة 1991.
بهذه المناسبة تلقى المترجمون في مختلف مناطق العالم رسالة تهنئة، من بين ما ورد فيها "كل عام وأنتَ بخير بمناسبة اليوم العالمي للترجمة. نود أن نستغل هذه المناسبة لتذكيرك بأنك شخص ذو قيمة، فأنت صانع الحضارات وملتقى الثقافات ومحطم الفجوات. بدونك لا تقوم أي حضارة، ولا تنهض أي أمة، ولا ينتشر أي علم، ولا تُنقل أي معرفة... اشعر بالفخر كونك تشتغل بهذه المهنة الراقية، واهتم بها، وحافظ عليها، فهي أمانة في أعناقنا".
تُعيد هذه الرسالة - ومعها المناسبة- إلى واجهة النقاش إشكالا قديما قِدم الحرفة ذاته؛ فصداه كان حاضرا في كل الحقب، وإن بدرجات متفاوتة؛ يتعلق بدور المترجم في عملية الترجمة.
يعتبر رهط من أبناء قبيلة الترجمة أنفسهم مجرد ناقلِين -غير أمناء أحيانا- للكلام، أو كما قال الجاحظ :إن الترجمان لا يؤدي أبدا ما قال الحكيم"، وبذلك تبقى تهمة الخيانة ثابتة في حق هؤلاء. وفي أحسن الأحوال هم بلا دور في العملية، فالمترجم يتلاشى أمام السلطة المطلقة للكاتب. فهذا الأخير يتمسّك بعمله، ويريد له أن يكون صوتَه المعبر عنه، والمثال الأنسب في هذا الباب قول المتنبي "ودع كل صوت غير صوتي فإنني/ أنا الطائر المحكي والآخر الصدى".
على هذا الأساس، يكون دور المترجم محايدا أو منعدما (ميتا) في العلاقة بين القارئ والكاتب، بل من النقاد من لا يتردد في ازدراء دور المترجمين. فقد ذهب الفيلسوف الألماني والتر بنيامين إلى أن الترجمات "لا تخدم العمل الفني، مثلما يدّعي المترجمون السيّئون، وإنما بالأحرى هي التي تكون مدينة بوجودها إلى العمل الفني".
كثيرا ما يشتكي المبدعون والكتاب مما تتعرض له أعمال بعضهم من تحريف وتغيير جراء الترجمة السيئة، ما أبعدها عن المعنى الحقيقي أو حولها إلى مجرد طلاسيم لم يستطع مؤلفوها فكها، فكيف سيتأتى ذلك للقارئ العادي؟ وضع حد ببعض المؤلفين إلى الاضطلاع بنفسه بمهمة نقل أعمال إلى لغات أخرى؛ إما ترجمة أو مراجعة للترجمة، مخافة التأويل السيئ لأفكاره.
في المقابل، يصر تيار آخر على حفظ حقهم الأصيل في الترجمة، فالأمر أكبر من مجرد تمارين ألسنية يقومون بها. ثم إن مجرد الاعتراف بفن الترجمة الأدبي كأحد الفنون الأساسية، يمنح صوتا لما يتضمّنه الإبداع الأدبي من ابتكارات وأفكار ورؤى وأخيلة.
إن مهمة المترجم تتعدى مجرد نقل ما يسعى المؤلف إلى قوله، وإنما يكون هاجسه أن يُجلي ما تُسكتُه الكلماتُ، وأن يُبرز أنه قارئ مثاليّ متمكن من أدواته، ومُصيب في تأويلاته. فالترجمة من وجهة نظر الفيلسوفة الفرنسية باربارا كاسان مقابل موضوعي للقراءة، وتحدد مهام الترجمة أو نشاطاتها في القراءة. إن الترجمة قراءة قبل كل شيء، قراءة تاريخية وفكرية للنصوص المراد ترجمتها، واشتغال دقيق ومضن على الكلمات والمصطلحات بتحليلها وإعادة تركيبها، بنحتها والغوص في معقوليتها.
إن الترجمة "إعادة كتابة" تستطيع أن تمنح حياة أخرى للنص المترجم، وقد أثبت الواقع أن المترجم بمقدوره أن يعطي النص المترجم صوتا آخر إلى جانب صوته الأصلي. ولنا في رائعة الروائي الكولومبي غابريال كارسيا ماركيز "مئة عام من العزلة" خير مثال على ذلك، فترجمتها إلى اللغة الإنجليزية على يد المترجم الأمريكي غريغوري راباسا سنة 1970، كان السبب وراء نيل ماركيز لجائزة نوبل للآداب.
دائما ما يحرص المترجم على إضفاء لمسته على العمل، حتى إن كان ذلك يهدد علاقته بمؤلفه التي وصفها المترجم المغربي محمد أيت حنا بقوله "صداقة الأنداد. نعقد صداقة لا أمد محدّدا لها، صداقة كانت أحيانا قبل الشّروع في الكتاب، ودائما تمتد بعد الفراغ منه؛ لكنّها صداقةٌ حول أرض متنازع عليها، نسكنها معا، وفي الآن نفسه نتنازع مواطن أقدامنا عليها". بفرض بهارات لغوية وتعبيرية وتصويرية وإيقاعية، وحتى شعورية في بعض الأحيان. ما يجعل الترجمة أقرب ما تكون إلى "كتابة جديدة"، فالنص بحسب كاسان هو دائم نص لنصوص أخرى. وهو ما أكد المترجم المغربي محمد أيت حنا في حوار له حين قال "يعرف المشتغلون بحقول الفن أنه يستحيل أن تطابق الذّات ذاتَها، ما رسمه كاندينسكي مثلا يتجاوز بكثير ما خطّطه في تنظيراته الفنيّة".
يبقى المترجم في سعيه هذا ملاحقا بتهمة الخيانة على الدوام، فكل مزايا النص تُرد إلى المؤلِّف، متى حالف النجاح الترجمة، فيكون التنويه بقوة خياله، وروعة متنه، وقوة أسلوبه، وسحر بلاغته... إلخ. أما في حال العكس، فالعيوب عادة ما تكون من نصيب المترجم، متى شاب النص نقص أو اعتراه خلل أو ضعف ووهن... وكأن حظه ما قاله الشاعر العربي عمرو بن الغوث "وإذا تكون كريهةٌ أُدْعى لها/ وإذا يُحاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ".
رافق فن الترجمة الوعي البشري على مر العصور، وما عشرات الآلاف من اللغات التي تُستخدم للتواصل اليومي في عالمنا المعاصر، سوى دليلا قاطعا على الدور الأساسي الذي لعبه هذا الفن الأدبي في تطور البشرية. أمر جعل الشاعر الروسي الكبير بوشكين يصف معشر المترجمين بـ"بريد الروح الإنسانية"... فإلى كل المترجمين نقول كل عام وأنتم والترجمة بخير.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون