آفاق العمل الخيري وأزماته

|
يشكو العمل الخيري من عديد من الإشكاليات القانونية والإدارية وكذلك الإحصائية، ويشكل غياب الإحصائيات الخاصة بعمله وتقسيماته أحد تلك الأشياء لاسيما ما يتعلق وربطها بالاحتياج المتغير للمجتمع، وربط ذلك بمنظومة محلية ديموغرافية تتفاعل مع عمل الجهات الرسمية للدولة، ولذا برز عديد من التحديات على مستوى كينونة العمل الخيري، وأصبحت بعض الجمعيات مهددة بالزوال وأخرى مصابة بالتضخم المالي دون حوكمة وتنظيم واستراتيجيات تربط بالرؤى الوطنية والاتجاهات العالمية، ناهيك عن التوجهات والمجالات المحدودة جدا في مصارف العمل الخيري. تتجلى بعض إشكاليات العمل الخيري في العلاقة مع الجهات الحكومية وعلاقات الجهات الحكومية بها. تلك الفجوة لا تسهم في تحقيق كلتا الجهتين أهدافهما، وفي الوقت نفسه تجعل حركة وإيقاع العمل الخيري أبطأ من تغير المجتمع، ما يجعل العمل الخيري لا يحقق القدر الكافي أو الدقيق للحاجة أو لتوجه المجتمع لمجالات العمل الخيري. وعلى الرغم من مشاركة العمل الخيري في الاقتصاد الوطني إلا أن الحاجة تبرز في إعادة دراسة الفلسفة والتوجهات في ذلك القطاع المهم، وكذلك في الاستراتيجيات، فلن ينجح العمل الخيري دون تحديد واضح ودقيق للأدوات والأساليب والأهداف، وربط ذلك بمنظومة فكرية متعددة ومنفتحة المجالات، تدير عملها عبر تخصص وتميز في مجالات مختلفة ومتنوعة، اجتماعية وصحية وتقنية وتجارية وريادية وبيئية وتنموية. من الأهمية كذلك أن يكون العمل الخيري ليس محصورا بفئة معينة من المجتمع، لأن دوافع العمل الخيري تشمل جميع فئات المجتمع، وبالتالي يجب أن ينعكس ذلك على مجالات العمل الخيري المصابة بالجمود، ومن المهم أن تكسر ذلك الجمود نحو فتح مجالات العمل الخيري في مجالات التعليم والفن والبنى التحتية والرياضة والبيئة. تشكل الحوكمة كذلك إحدى الإشكاليات الخاصة بإدارة الجمعيات الخيرية من ناحية مجالس الإدارات وكذلك الأعمال المحاسبية والإفصاح عن الممتلكات والعمليات المالية والتبرعات، وهذا يطرح عددا من التساؤلات حول تضارب المصالح، حيث تجد أعضاء مجالس الإدارات في الجمعيات الخيرية في أكثر من جمعية ما يحدث تضارب مصالح، على الرغم من محاولة نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية التعريج على عدد من المسائل الخاصة بذلك. هناك حاجة إلى وجود نظام خاص بالشركات غير الربحية، يحاول من خلاله إيجاد منطقة وسط بين العمل الخيري والعمل التجاري، حيث تشكل الأوقاف المتخصصة "في المجالات الصحية، التقنية، البحث العلمي، البيئة" حلا تنمويا ومستداما بجانب ريادة الأعمال الاجتماعية. ونذكر مثالا على الجانب التعليمي أن النظام الجديد للتعليم تحدث عن مفهوم الوقف العلمي، ومثل وزارة الصحة ما قامت به في برنامج الشراكة المجتمعية، إلا أنه يجب توسيع تلك المبادرات والسياسات على بقية الوزارات وذلك بفتح فرص نظامية لهيئات تابعة لكل وزارة لا تهدف للربح وتدعم إنشاء الأوقاف والعمل الخيري عبر حزم من السياسات واللوائح المحفزة. يحتاج العاملون في مجال العمل الخيري إلى التدريب في المجالات التجارية والإدارية ومجالات الاستدامة والإبداع والريادة والابتكار، وأن يكونوا متعددي التخصصات العلمية، وسينعكس ذلك في تنوع المشاريع والمبادرات التي تقوم بها تلك الجمعيات، فعوضا عن شراء سلال الغذاء كمثال، يتم الاستثمار في المصانع التي تصنع تلك المواد الغذائية كمستثمر وبالتالي الحصول على تلك الحصص بشكل مستدام، عوضا عن الاستغناء عن الصرف المقطوع غير المسترد. لذا دخول فلسفة الاستدامة وريادة الأعمال في طبيعة العمل الخيري هو مفتاح لتطوره ومساهمته في العمل والتنمية الوطنية. ومن هنا تجدر الإشارة إلى دور وزارة العمل والتنمية الاجتماعية إلى التواصل مع تلك الجمعيات وتوجيهها لتكون أشبه بحواضن الأعمال التي تتبنى المشاريع الريادية لتكون فوائد تلك الأعمال التجارية عائدة بالنفع على الأعمال الخيرية. يجب أن يقوم كل عمل خيري على أوقاف، تبدأ بالمقر وسكن العاملين به ومواصلاتهم، حتى تصل إلى المشاريع الوقفية الخاصة بمجال العمل الخيري غير التقليدي كالاستثمارات. كيف يمكن تفعيل الجمعيات العمومية لمحاسبة ونقاش مجلس إدارات الجمعيات الخيرية بشكل سنوي؟ وتشكيلها من المجتمع ومن المستفيدين، والمهتمين والمتبرعين، حتى توجه سياسات البرامج والمشاريع والتوجهات المستقبلية بشكل دوري. ختاما، تحتاج الدولة دائما إلى قطاعها الثالث جنبا إلى جنب مع القطاعين الحكومي والخاص، ولتحقيق ذلك، لابد من سن القوانين واللوائح التي تتفاعل وتتواءم وتحفز ذلك العمل وتواكب التغيرات المجتمعية والخطط الوطنية، وبالله التوفيق.
إنشرها