نقاط في الفساد الوظيفي

|
نسمع خطيب الجمعة يتكلم عن الفساد. ولكن معظم الفساد الذي يتكلم عنه غير الفساد الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام، والهيئات المهتمة بالإدارة والدراسات الحكومية. الأخير ترجمة للكلمة corruption، التي تعني استغلال الوظيفة على نحو غير مشروع، وهو تضييع للأمانة، ولعب بالحقوق. قبل نحو عشر سنوات، صدر قرار مجلس الوزراء بإقرار استراتيجية وإنشاء هيئة لمكافحة الفساد. تأتي هذه القرارات في إطار اهتمام عالمي بالموضوع، وهناك منظمة عالمية للشفافية ذات اهتمام كبير بمكافحة الفساد. ومن أمثلة الفساد الوظيفي تلاعب الموظف بوقت دوامه وهذا قد يتخذ صورا عديدة. من الصور أن يهدر الموظف بعض الوقت في أعمال لا يصح القيام بها أثناء العمل. إهمال الالتزام بالدوام فساد. من الأمثلة على الفساد الوظيفي استخدام نفوذ الوظيفة لتوجيه السياسات العامة لمصالح خاصة، أو تعطيل أعمال الإصلاح، وعمولات العقود غير المشروعة أو غير المسموح بها بنص القانون، والتهرب الضريبي، وإعادة تدوير بعض المعونات للجيوب الخاصة، وقروض مصرفية دون ضمانات جدية وغالبا لا تسدد، وبذل الهدايا لآخرين لتسهيل مصالح غير مشروعة. وتتفاوت درجات الفساد الوظيفي قوة وتأثيرا. وعلى خلاف ظن كثيرين، لا يقتصر الفساد الوظيفي على العاملين في الحكومة، بل يمكن أن ينتشر الفساد بين العاملين في القطاع الخاص. ويبدو الفساد الوظيفي عصيا على المكافحة، حتى وإن كانت جادة، وما تكشفه وسائل الإعلام ومناقشات المحاكم ولجان التحقيق والمجالس النيابية من وقائع الفساد الوظيفي تدل على انتشار واسع له في شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسياسية، بل أصبح له مؤسسات منظمة في بعض الدول. ويبدو الفساد أكثر حضورا في بعض الدول أكثر من غيرها. الفساد الوظيفي من أكبر المشكلات التي تتفق التشريعات والمؤسسات المحلية والدولية على اعتباره عقبة أمام الإصلاح والتنمية والاستثمار، وسببا مهما لانتشار تجارة الممنوعات وقوة نفوذ المافيات. ودلت دراسات أجريت في عدة دول آسيوية على أن حكومات تلك الدول تدفع ما بين 20 و60 في المائة زيادة على الأسعار التي ينبغي أن تدفعها، ومرد هذه الزيادة فساد في ذمم موظفين حكوميين. بل حتى الفقراء والمساكين لم يسلموا من ضرر مباشر لفساد الذمم، فأحيانا تضطر وكالات غوث إلى دفع رشا كبيرة لمسؤولين كبار لأجل السماح بإيصال المعونات إلى الفقراء. ويرى كثير من الباحثين أن الفساد الوظيفي ينتعش في ظل ظروف النمو السريع والتحديث الذي تتعرض له بعض الدول، وذلك بسبب تغير القيم ومصادر الدخل والقوة والتوسع الحكومي. حتى تعطي مكافحة الفساد الوظيفي ثمارا مرجوة، هناك حاجة إلى وجود منظومة من الأعمال والإصلاحات الدينية والتعليمية والاجتماعية والإدارية. يساعد على العلاج تحقيق مزيد من الشفافية الإدارية والمالية والمحاسبة والمتابعة وتعديل المكافآت والحوافز والعقوبات، وانتشار ثقافة النزاهة الوظيفية، وأن كل فرد تحت طائلة المساءلة، سواء كان الشخص وزيرا أو موظفا صغيرا، ومطالبة كل مسؤول بعد تعيينه، وتعرفه على عمله ببرنامج عمل ومن ثم محاسبته على ذلك. ومن المهم زيادة تفعيل عمل الهيئات ذات العلاقة هيئة الرقابة والتحقيق. من الوسائل مزيد من تطوير الثقافة الإدارية والتنظيمية في تلك الهيئات، ومع زيادة الاهتمام بالتدريب وتوظيف الكفاءات. أختم هذه المقالة بحديث ذي صلة في صحيح البخاري عن رجل استعمله النبي -صلى الله عليه وسلم- على مال عام "... فلما قدم الرجل قال هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لك وهذا لي فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا...".
إنشرها