«ومن أحياها»

|
شاهد المقطع الذي يصور إنقاذ شاب لطفل في أحد المولات ما يزيد على مليون شخص في اليوتيوب. وحظي بتعليقات رائعة في أغلب وسائل التواصل. هذا الشاب الذي بدا وهو يحتضن الطفل وكأنه ابنه ليهدّئ من روعه ويزيل عنه الخوف الذي انتابه بعد أن سقط عن السلم الكهربائي، هو مثال يجب أن يكرم لندفع البقية للتصرف في أوقات الشدائد بدل أن يكتفي كثير منهم بالتصوير والمشاهدة من بعيد. يسوقني هذا الأمر لكثير مما نشاهده اليوم من تخلي كثيرين عن مسؤوليتهم الإنسانية، وبحثهم عن الزاوية الأفضل لتوثيق الحدث وتصوير ردود الأفعال. حدث هذا في أكثر من مكان وهو مؤشر على البعد عن الروح الداعمة للخدمة الاجتماعية والعناية بالمحتاجين. نأتي في السياق على الاهتمام الكبير من قبل الجميع بتتبع المقاطع، وهو ما ينمي هذه الروح التي يبحث أصحابها عن القبول الاجتماعي ويتنافسون في أعداد المشاهدات والمتابعين، حتى إن اضطروا لتلفيق بعض المشاهد. يأتي كل يوم من يحذر من أن المقطع الفلاني ليس من المنطقة الفلانية أو أنه حدث منذ سنوات طويلة واستخدمه آخرون لإثبات أن الحالة حدثت أمس في مدينة كذا. آخر هذه المقاطع شاهدته قبل يومين وهو يصور شبابا يحتفلون في نفق إحدى المدن، وربطه من وزعه باحتفالات اليوم الوطني في الرياض، رغم أن النفق لا وجود له في الرياض بل في المملكة. دلنا أحد المشاهدين إلى أن لوحات السيارات ليست من السعودية كلها، وإنما وقعنا جميعا ضحايا التعميم والتزوير. يمكن أن أقول إن نسبة المقاطع المنسوبة لغير زمانها ومكانها ترتفع بوتيرة متسارعة، قد يكون هدف البعض منها بريئا، لكن آخرين يعتبرونها وسيلة لإلباس الباطل ثوب الحق، وهذه المحاولات تزداد مع حالات التأزم الفكري في المجتمع والتجاذبات التي أوجدتها الخلافات المستمرة ومحاولات الاستقطاب بين جهات كثيرة لمصلحة فكرها أو رأيها. تستمر هذه التجاوزات ـــ في ظني ـــ إلى أن يصبح تغريم من ينشر تزويرا للحقائق قاعدة وليس استثناء، خصوصا ونحن نشاهد أن فيما ينشر في مواقع التواصل كم يتم تمريره من خلال محاولات دولية وليست فردية. التغريم الذي يطول المصادر الأساس لهذه المقاطع، سيؤدي إلى تسريع عمليات كشف ونفي مكونات هذه التلفيقات التي تهدف إلى الإساءة إلى العلاقة بين مكونات المجتمع وتركيبته المتماسكة.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها