FINANCIAL TIMES

جولة ضمن منارة عتيقة لبعث الفنون الإفريقية المعاصرة

الحجم الهائل لمتحف زيتر للفنون المعاصرة في إفريقيا هو في حد ذاته بيان. مع الجدران المتموجة مثل قلعة جبلية، وصومعة الحبوب الضخمة من العشرينيات على الواجهة المائية لكيب تاون - التي كانت أطول مبنى جنوب الصحراء الكبرى - سيُعاد فتحها هذا الأسبوع كأكبر متحف في العالم لفنون القرن الـ 21 من القارة وشتاتها. النوافذ "المستطيلة" البارزة بلطف التي تعكس جبل تيبل تُصبح فانوساً في الليل.
باعتباره منارة جديدة للفنون، زيتز موكا سوف يوجّه ويُبهر. داخل القاعة المفتوحة المرتفعة، شاهدت عمال التركيب مُعلّقين مثل رواد الفضاء جنباً إلى جنب مع تنين محمول جواً من أنابيب مطاطية داخلية، وشريط وعظم. المغني الأسطوري لتهاليل شعب خوسا المميتة، التي أنشأها نيكولاس هلوبو من كيب تاون في عام 2011 لمصلحة مهرجان البندقية الذي يعقد مرة كل عامين، هو من بين الفنون التي يهدف المتحف إلى المحافظة عليها للقارة.
مصير تماثيل بنين البرونزية هو في ذهن مديره التنفيذي من جنوب إفريقيا والقيّم الرئيس للمتحف، مارك كويتزي، البالغ من العمر 53 عاماً، "بعد أن أصبحت المتاحف في أنحاء العالم الآن منفتحة على الفن الإفريقي". بالقدر نفسه من الأهمية، من المفترض أن يكون حافزاً للفنانين والقيّمين في القارة.
جوكين زيتز، البالغ من العمر 54 عاماً، الرئيس التنفيذي السابق في بوما، أخبرني "أنه متحف عام يضم مجموعة خاصة". فاعل الخير الألماني بنى مجموعته على المستوى العالمي مع كويتزي منذ عام 2008، لإظهاره علناً "كإسهام" بوضوح.
"سيجيرا ريتريت" في كينيا التابع لزيتز كانت بمثابة مختبرهم بعد أن اقترحت مجموعة فيكتوريا آند ألفرد ووترفرونت الصومعة كمتحف غير هادف للربح.
يقول زيتز: "إنه ليس متحفي أو متحف ووترفرونت - إنه لإفريقيا. الإفريقيون بحاجة إلى المشاركة". بعد الافتتاح المجاني في عطلة نهاية الأسبوع، حيث اختفت 24 ألف تذكرة في غضون تسع دقائق، سيكون الدخول مجاناً للذين لا تتجاوز أعمارهم 18 عاماً، وفي أوقات مختلفة كل أسبوع للمواطنين من البلدان الإفريقية.
المهندس المعماري البريطاني توماس هيثيرويك، إدراكا منه للذين لم يسبق لهم دخول متحف فنون، قام بابتكار إغراء مذهل. لقد تم هجر الصومعة، التي كانت فيما مضى مركزاً لتصدير الذرة، في عام 2001.
بدلاً من إخراج أنابيب التخزين العمودية فيها، حُفِرت مساحة عضوية من الخرسانة القرنفلية لتشكيل قاعة تُشبه الكاتدرائية؛ الشكل بالضبط هو شكل حبة ذرة متروكة في الصومعة، التي مسحها فريق هيثرويك رقمياً وكبّرها، ووضعها في الداخل لصقل أطرافها. أنابيب مقطوعة بشكل غير مباشر مُثبّتة بجزء من الخرسانة الحديثة، على الرغم من أنه تم الحفاظ على الآثار والصدأ بمنتهى العناية والدقة.
نقش الخرسانة مع تعقب نظام تحديد المواقع هو "تكنولوجيا متطورة"، كما يقول ديفيد جرين، الرئيس التنفيذي في فيكتوريا آند ألفريد ووترفرونت، التي موَّل مساهموها عملية تجديد الصومعة. مشروعهم المشترك مع زيتز يضمن التكاليف التشغيلية. طوابق المتحف التسعة بإيجار مجاني لمدة 99 عاماً. المجموعة الخاصة من البذور معارة لمدة لا تقل عن 20 عاماً أو فترة حياة زيتز، في حين أن لجان الاستحواذ تؤسس مواد أساسية دائمة.
مُنح القيّمون مجالاً للاستفادة من القروض، ما يجعل هذا أكثر من مجرد عرض لمجموعة رجل واحد.
تنين هلوبو يفتتح قاعة بي إم دبليو، وهو إجابة على قاعة توربين في متحف تيت للفن الحديث في لندن. التبرعات تتدفق. ويليام كينتريدج هو داعم قوي. الموسيقى التصويرية لجاز البلدة لرقص الدمى المروّع متعدد الشاشات الخاص به "مور سويتلي بليز ذا دانس" تتردد بشكل متقطع عبر صالات العرض.
روجر بالين، المصور الأمريكي القائم في جوهانسبورج، تبرّع بكامل أرشيفه. مزاد كريستي لجمع التبرعات، بما في ذلك أعمال تبرّع بها إل أناتسوي وينكا شونيبير، جمع نحو 1.4 مليون جنيه. القاضي الموقّر ألبي ساكس يُشارك في مجلس الإدارة.
في حين أن مركز الصور المتحركة لديه أكشاك أنبوبية مريحة، إلا أن معظم صالات العرض العديدة هي "مكعبات بيضاء" يتحكّم فيها المناخ لتأمين موكا بمكان في الدائرة السياحية.
عدد من الأعمال تتحاور مع الصومعة. في داستهاوس، الذي كان يُستخدم لتصفية القش الخطير، نوافذ شونيبار النمطية تلتقط موضوع الكاتدرائية، لتُماثل الباتيك الإندونيسي في فلمه "أديو ديل باساتو".
في أنفاق النقل، "لواندا، المدينة الموسوعية" لأدسون تشاجاس معروضة للمرة الأولى منذ أن جعلته أول فائز في إفريقيا بجائزة جولدن ليون في البندقية في عام 2013.
المناور الدائرية في القاعة هي لوحات أرضية شفافة تُسبب الدوار في حديقة التماثيل على السطح، التي طبعها الفنان التوجولي إل لوكو قبل وفاته العام الماضي.
الماضي الصناعي للمبنى يُضيف صدى عرض ’أول ثينجز بينج إيكوال‘، وهو عرض لمجموعة من أكثر من 40 فنانا. تثبيت "تن ثاوزاند ويفز" على تسع شاشات من إسحاق جوليان، وهو استجابة متحركة على غرق 23 صينيا من الذين يعملون في قطف ثمار الكاكاو في خليج موريكامب، يجد صدى في "ذا ويفيز" من قِبل ليزا لوا، الفنانة الأمريكية في ديربان، التي لوحاتها الـ 1194 من خرز الطباشير الصغيرة مُخططة بعرق وكدح النساجين.
"توجد فرصة وسط الفوضى"، وهو تثبيت بطولي رائع من قِبل ماري سيباند من جنوب إفريقيا، فيه كتيبة من النساء في معارك - على غرار والدة الفنانة، عاملة منزلية - يركبن أجساما برأس خيل تمر عبر كلاب الصيد الحمراء والنسور.
كانت هناك استراتيجية لجمع أعمال الفنانين، لتمكين المتحف، بحسب تعبير زيتز، من "أن يروي قصة الفنان". في حين أن هذا النهج يُخاطر بإخراج الفنانين، إلا أنه يؤتي ثماره في اثنين من العروض المنفردة. كودزاناي تشيوراب معروف بصور الديوراما المسرحية التي تسخر من السلطة والذكورة في زيمبابوي في عهد بروبرت موجابي، التي فرّ منها. فيما يتعلق بـ ’إيز أوف أذرز‘، انعكاس لأحداث ماضية في منتصف الحياة المهنية بتنظيم من أزو نواجبوجو، يُسلّط ضوءا جديدا مع لوحات في وقت مبكر ورسومات من الفحم. في ماتيريال فاليو، الصور التي تلتقط الأداء في حلبة مصارعة ثيران موزمبيقية فارغة من قِبل نانديفا منتامبو من سوازيلاند، الذي هو مُصارع ثيران ومتفرّج. فساتين منحوتة من جلد بقر على شكل جسدها تستطلع الحدود التي نضعها بين الطبيعة الجنسية الحيوانية والبشرية، والجذب والتنافر.
غرفة صغيرة للوحات نظمها شولا ملواندل تُجسد طموح المتحف. ستة أعمال تراوح بين صورة "أنتي ديدي" الحقيقية لجانايان جيرميايا كوارشي الجالسة على حاويات بلاستيكية صفراء، والتهكّم السريالي لكونجوليز تشيري سامبا، إلى "بلو ستيبس" المجردة لكريس أوفيلي البريطاني. في أنماط متباينة، تعقد هذه اللوحات محادثات عبر ما وصفه الباحث بول جيلروي بأنه الأطلسي الأسود - وخارجه.
في متحف مخصص للفن منذ عام 2000، دائماً ما يكون التاريخ في إطار.
جويل أندريانوميريسوا من مدغشقر لديه شظايا تُشبه البتلة من ساري حرير مُعلّق جنباً إلى جنب مع صور الأجداد باللون البني. "دايفيدر" من لونجيسوا جكوانتا، مع 130 علبة جعة معلقة من الفتائل، تُشير إلى قنابل البنزين.
الصور الذاتية لموهاو موديساكينج من سويتو تُشير إلى تعويذات مثل راهب من الإرث العنيف باستخدام البانجا والكرباج كدعائم.
هناك صور فوتوغرافية أخرى تراوح من الصور المتحاربة لزانيلي موهولي لناجيات سحاقيات من "الاغتصاب التصحيحي"، إلى منى كاراي التونسية في كيس، إبهامها يضغط على زر الإطلاق من بُعد لكاميرا مثل المُفجّر؛ ملتزمة، غير مرئية، لكنها تُمسك بالقوة لتمثيل نفسها.
واجه كوتيزي صعوبات متكررة في الفترة السابقة: "أين أنا في هذا المتحف؟" هذه العروض تُقدّم إجابات غامضة وغير متوقعة.
فكرة تأسيس متحف موكا على رؤية من أربعة رجال بيض (واحد منهم فقط إفريقي) لم تغب عن بال نقادها. في المدينة التي انتجت حملة ’رودس يجب أن تسقط‘، ستبقى تحت التدقيق.
هذه العروض الافتتاحية تُظهر ما كان كثير من مؤسسات الفنون الغربية بطيئة في إدراكه: أن موظفي التنظيم المتنوعين يجلبون الفن المفاجئ والصعب. المتحف الذي يستطيع إلهام جماهير جديدة ليس فقط لخلق وتقدير الفنون، لكن أيضاً لرواية قصته، يُمكن أن يُبشّر بتحول حقيقي للقوة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES