المشراق

مخطوطة «ثبت الحوادث».. صفحات من تاريخ نجد لابن هذلول

بين يوم وآخر تدفع لنا المكتبات الخاصة والعامة بنوادر من الوثائق والمخطوطات، لم نكن نعرف شيئا عنها، أو كنا نسمع عنها ولم نرها، وهذا نتاج تطور المعرفة، وشعور الناس بأهمية طرح ما لديهم من وثائق ومخطوطات، ليطلع عليها المختصون، ويتناولوها بالبحث والدراسة. ومن بين ما ظهر لنا من نوادر، مخطوطة في تاريخ نجد وتاريخ الملك عبدالعزيز بعنوان "ثبت الحوادث"، للأمير المؤرخ سعود بن هذلول، وقد دلني عليها مشكورا الصديق الدكتور عبدالله بن محمد المنيف.

المؤلف
هو الأمير سعود بن هذلول بن ناصر بن فيصل بن ناصر بن عبدالله بن ثنيان بن سعود، ولد في مدينة الرياض عام 1324هـ، ونشأ وتعلم فيها على النمط التقليدي في الكتاتيب، طور ثقافته ومعرفته بالقراءة والبحث ومجالسة أهل العلم والمعرفة، ويُعد من العارفين بالتاريخ السعودي. عينه الملك عبدالعزيز أميرا على منطقة تبوك عام 1355هـ، وفي بداية عام 1377هـ عينه الملك سعود أميرا على مدينة ينبع، وظل فيها 11 شهرا، ثم نقله أميرا على القصيم حتى عام 1389هـ. توفي عام 1403هـ.
كان على ثقافة عالية ومعرفة عميقة بتاريخ السعودية، وقد عاصر الملك عبدالعزيز، وشارك في بعض المعارك فهو مصدر لبعض المعلومات، كما نقل عن رواة عاصروا أحداثا وشاركوا فيها، وهذا ما يجعل لروايته أهمية خاصة.
صدر له مؤلف شهير هو "تاريخ ملوك آل سعود"، الذي طبع الجزء الأول منه عام 1380هـ، ثم طبع الجزآن الأول والثاني سويا في مجلد واحد عام 1402هـ. وعن الجزء الأول من تاريخه قال الشيخ حمد الجاسر في مقالته "مؤرخو نجد من أهلها" عن الأمير سعود بن هذلول "وقد ألف كتابا عن تاريخ ملوك آل سعود، عوّل فيه على المؤلفات المتعلقة بنجد وعلى غيرها، كما اعتمد على ما سجله هو من الحوادث الأخيرة التي أدركها، وانتهى في تدوين تاريخه إلى عام 1373هـ، حيث ذكر وفاة الملك عبدالعزيز وولاية الملك سعود ـــ رحمهما الله ـــ. ويحوي الكتاب معلومات وافية عن مشاهير الأسرة السعودية، وإيضاح كثير من الحوادث في جميع الأطوار التي مرت بها الدولة السعودية منذ نشأتها، غير أنه لم يفصل في ذلك إلا من عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز الكبير عام 1218، وقد طبع تاريخ الأمير سعود بن هذلول عام 1380".

المخطوطة
ذكر الأمير سعود بن هذلول في مقدمة مخطوطة "ثبت الحوادث" أنه اعتمد على مصادر مثل كتاب "عقد الدرر" للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى، و"تاريخ الكويت" للمؤرخ عبدالعزيز الرشيد، وكتاب "الثورة العربية" للمؤرخ أمين سعيد، وكتاب "تاريخ نجد الحديث" للأديب أمين الريحاني. وكل هذه المصادر معروفة ومطبوعة ومتوافرة للقراء والباحثين، لكن المصدر المهم الذي يجعل لكتابه قيمة أكبر هو المصدر الشفهي الذي اعتمد عليه، فقد ذكر أن من مصادره "ومما وصل معلوماتي من أفواه رجال ثقات شاهد وحضر بعض الوقائع". ويضاف إلى ذلك أن المؤلف كان شاهد عيان على بعض الأحداث التي ذكرها في تاريخه، كما عاصر أغلبها، ويؤيد ذلك قوله في مقدمة "تاريخ ملوك آل سعود" عندما ذكر مصادره "أما الوقائع المهمة التي اعتمدت فيها على معلوماتي الخاصة المبنية على العلم واليقين الشخصي فهي تشمل: سقوط حائل، وفتح الحجاز، وفتنة حامد بن رفادة، وثورة الأدارسة، وغزوات اليمن وعسير، وحادث المحمل المصري، وفتنة الإخوان، ومحاولة الاعتداء على حياة الملك عبدالعزيز وولي عهده الأمير سعود"، ثم يبين هدفه فيقول "وما أردت فيما كتبته ونقلته إلا أن أسهم في إبراز صورة صحيحة واضحة لتاريخ هذه الأمة العربية الأصيلة".
تقع المخطوطة في 221 صفحة، ومن الواضح أنها مسودة وليست مبيضة، وهي ناقصة لم تكتمل. وقد ابتدأ تاريخه "ثبت الحوادث" من عام 1268هـ. أي أنه ابتدأ من حيث توقف المؤرخ عثمان بن عبدالله بن بشر في تاريخه "عنوان المجد في تاريخ نجد"، فالذي بين أيدينا من تاريخ ابن بشر ينتهي بحوادث عام 1267هـ.
وذكر سعود بن هذلول في مقدمته أنه كتبه في شهر المحرم من عام 1370هـ. وينتهي القسم الموجود لدي من مخطوطة "ثبت الحوادث" بخبر "الاعتداء على جلالة الملك ابن سعود"، وهذا الحادث الغادر وقع في العاشر من ذي الحجة من عام 1353هـ. وقد كتبت المخطوطة بخط مقروء، وربما يكون خط المؤلف.

مقارنة بين المخطوطة والمطبوع
عند المقارنة بين مخطوطة "ثبت الحوادث"، وكتاب "تاريخ ملوك آل سعود"، وكلاهما للأمير سعود بن هذلول، يتضح لي أن هناك تشابها بينهما في كثير من الأخبار والحوادث، لكن نجد في كل مصدر منهما ما لا نجده في المصدر الآخر، وفي المخطوط قصائد شعرية ليست في المطبوع. أما الصياغة فيتميز الجزء الأول من المطبوع بصياغة لغوية أفضل من المخطوط، وهذا أمر اعتيادي، فمخطوطة "ثبت الحوادث" مسودة لم تبيّض، ولم تكتمل في صورتها النهائية. ويبدو لي أن المؤلف طور مخطوطته "ثبت الحوادث"، ونقحها، وحذف منها وأضاف إليها، وأعاد ترتيبها لتصبح على الشكل المطبوع في الجزء الأول من "تاريخ ملوك آل سعود".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق