بدائل الثواب والعقاب

|

بينت في مقال سابق أن مبدأ "الثواب والعقاب" ليس محفزا كما يعتقده البعض بل محرك رديء لتغيير سلوك الأفراد فكل ما يفعلانه هو الشعور المؤقت بالطمع في حالة "الثواب" والشعور المؤقت بالخوف في حالة "العقاب" فيتحرك الفرد وهذا التحرك ليس بسبب ما يدفعه من الداخل لأن التغيير الذي يحدث مؤقت بسبب أن تأثيره خارجي ولم يلامس المشاعر ويقتنع به المتلقي من ذاته.
التحفيز الحقيقي ينبع من داخل النفس الإنسانية ويؤدي إلى تغيير سلوكي عميق وطويل الأمد وعندما يصل إلى هذا الحد فإنه يعمل تلقائيا وليس هناك حاجة إلى تكراره كما هو الحال في الثواب والعقاب. وفي هذا المقال أريد أن أبين بدائل الثواب والعقاب التي يمكن أن يستفيد منها الآباء والمربون لتحفيز البنين والبنات، وإليك واحدا منها وهو "أسلوب التأثير".
"أسلوب التأثير" يعني التعرف على الرغبة الذاتية الداخلية لكل فرد من أفراد الأسرة لجعل الجميع يغيرون سلوكهم كما يريه الأب بقناعة منهم دون رغبة في ثواب مؤقت أو خوفا من عقاب. فالتأثير الذي يحدث هنا رغم أن مصدره خارجي إلا أن صداه لم يبق في الخارج بل لامس النفس من الداخل. ولكي تتحقق المنفعة وتحصل على أقصى فائدة من كل فرد من أفراد أسرتك فعليك أن تسعى إلى تغيير سلوكهم برغبة داخلية وليس بمؤثر مؤقت كالثواب أو بقوة وضغط كالعقاب. فالتأثير يؤدي إلى تغيير السلوك إذا اقتنع الأبناء والبنات أنه سيكون لهم منه نصيب ومنفعة مباشرة تنعكس عليهم وتصب في مصلحتهم جميعا.
عند تطبيق أسلوب "التأثير" فإن أفراد الأسرة سيتبعون ما تريده ويلبون ما تأمر به طواعية ولا يحتاج منك إلى مجهود كبير أو تكرار الفعل كما هو الحال في الثواب والعقاب. فعند استخدام منهج الثواب والعقاب في تغيير سلوك فرد من أفراد الأسرة فإن ذلك يتطلب منك فعل الثواب نفسه أو العقاب مرة أخرى عندما تطلب من أحدهم نهج سلوك بعينه مرة أخرى، ولكن في حالة استخدام أسلوب التأثير فإنك لا تضطر إلى تكرار الفعل لأنهم يدركون أن أهدافهم ستتحقق نتيجة اتباعهم ما تريد منهم وسيكونون أحرص منك في تغيير سلوكهم. كما أن هناك فائدة أخرى من أسلوب "التأثير" وهي أنه سيؤدي إلى الاستجابة التلقائية من قبل أفراد الأسرة لأنهم يؤدون ويغيرون سلوكهم برغباتهم ما يصبح بعد ذلك عادة ومتعة وبهذا تتكون بيئة تحفيزية.
إلا أن هناك صعوبة في تطبيق أسلوب التأثير يتمثل في أن كل فرد من أفراد الأسرة له رغبات واهتمامات وأهداف قد يكون بعضها مختلفا عن البقية بل إن بعض أهدافهم قد تكون متعارضة. فقد تكون أهداف الابن مختلفة عن أهداف البنت الكبرى وهذه قد تكون لها أهداف ورغبات تختلف عن اهتمامات شقيقتها الصغرى. والسؤال كيف نستفيد من أسلوب "التأثير" لمعالجة حالة كهذه؟ كيف تتصرف كأب يسعى إلى أن يسلك جميع أفراد الأسرة سلوكا بعينه وينفذون ما تريده برغبة وحب لتحقيق أهداف ذاتية وأخرى جماعية في الوقت نفسه؟
أولا ركز على الأهداف المشتركة التي يتفق عليها الأغلبية فبالتأكيد توجد أهداف مشتركة يسعى جميع أفراد الأسرة لتحقيقها. وإن صعب عليك التعرف على الأهداف المشتركة أو إن لم تجد أهدافا مشتركة فعليك أن تنهج سياسة تبادل المنافع أو تبادل الاهتمامات، أو ما يطلق عليه أحيانا تبادل المصالح.
لتحقق الاستفادة العظمى من تطبيق سياسة تبادل المنافع في محيط الأسرة ينبغي أن يكون لدى رب الأسرة معرفة كاملة بجميع اهتمامات جميع أفراد أسرته. بطبيعة الحال ستكون اهتماماتهم مختلفة وأهدافهم متباينة وهذا متوقع بحكم اختلاف نمط كل شخصية. ولكن كيف يتصرف الأب عندما يريد من أبنائه وبناته تغيير سلوكهم في ظل اختلاف اهتماماتهم باستخدام سياسة تبادل المنافع؟ على الأب أن يلمح من طرف خفي للبنين والبنات أنهم إذا قاموا بتغيير سلوكهم وتنفيذ ما يريد فإن هذا سيصب في مصلحة واحد أو اثنين منهم أما البقية فالفائدة قد تكون محدودة أو لا توجد فائدة أو منفعة من الأصل. وهنا تأتي براعة الأب في الاستفادة من أسلوب تبادل المصالح، حيث يشعرهم أن الذين لم تصبهم منفعة آنية فهناك ما ينتظرهم في المستقبل من منافع إن هم تعاونوا في تغيير سلوكهم. وبهذا سيقوم الجميع بتحقيق ما تريده ويغيرون سلوكهم كما تحب من أجل أنهم جميعا سيربحون إما عاجلا أو آجلا ولكن لا تخلف وعدك ولا تنقض عهدك.
بطبيعة الحال البعض ينظر إلى مفهوم "تبادل المصالح" على أنه مصطلح دبلوماسي متعلق بالعلاقات الدولية وهذا غير صحيح فتبادل المصالح أكثر ما يستخدم في الدبلوماسية والعلاقات الدولية ولكنه ليس حكرا عليها ولا ضير من أن نستخدمه نحن كآباء لتحفيز من هم تحت لوائنا من أبناء وبنات للوصول إلى أهدفنا الذاتية كآباء وتحقيق أهداف كل فرد من أفراد الأسرة. إن تطبيق تبادل المصالح سيزيد من ولاء أبنائنا وبناتنا لمنظومة الأسرة ويقرب بعضهم إلى بعض ويزيد من الألفة بينهم.
بقي لنا في موضوع بدائل الثواب والعقاب موضوع واحد ألا وهو "تحفيز أفراد الأسرة على قبول التغيير الإيجابي" وهذا سيكون موضوعنا في المقال المقبل ـــ إن شاء الله.

إنشرها