FINANCIAL TIMES

ميركل فوتت اللحظة المناسبة لمغادرة المسرح السياسي

عودة المتطرفين من الأحزاب اليمينية إلى مجلس النواب الألماني هي بطبيعة الحال أكثر خبر صاعق تمخضت عنه الانتخابات الألمانية. لكن مرة أخرى، نسبة الأصوات التي حققها حزب "البديل لألمانيا"، التي بلغت 12.6 في المائة، تقع تماما ضمن هامش الخطأ في أحدث استطلاعات الرأي.
سيرسل حزب البديل لألمانيا ما يقارب 100 عضو إلى مجلس النواب، يعتقد أن ثلثهم من اليمين المتطرف. وهم أكثر خطورة بكثير من الجبهة الوطنية في فرنسا، ويجعلون حزب الاستقلال في المملكة المتحدة يبدو وكأنه يتألف من أقارب بريطانيين بينهم مودة.
الأمر الصاعق أيضا هو مقدار تراجُع الحزب الديمقراطي الاجتماعي. فهو يدفع ثمن احتضانه أنجيلا ميركل لفترة طويلة فوق الحد. وقد ارتكب الحزب الديمقراطي الاجتماعي أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه أي حزب سياسي عندما جعل نفسه حزبا زائدا غير ضروري.
لكن أكبر صدمة نتجت عن هذه الانتخابات هي الضعف المذهل لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه ميركل، وقريبه البافاري، حزب الاتحاد المسيحي الاشتراكي. فقد انخفضت نسبة التصويت لهما من 41.5 في المائة في عام 2015 إلى 33 في المائة في هذه الجولة من الانتخابات. وهذا الأمر، أكثر من أي أمر آخر، سيحدد المستقبل القريب لكل من السياسة الألمانية والسياسة الأوروبية.
بعد أن استبعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي يوم الأحد ائتلافا آخر مع ميركل، بقي الآن خيارا ائتلافيا واحدا: بين حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد المسيحي الاشتراكي، والحزب الديمقراطي الليبرالي، وحزب الخضر. ويعرف هذا التكوين باسم "ائتلاف جامايكا" بسبب ألوان الأحزاب.
هل سيصمد؟ أعتقد أنه سيفعل لأنه لا بديل أمام ميركل إن كانت تريد التشبث بالسلطة. ستمنح الحزبين الصغيرين أي شيء لازم لجذبهما للانضمام للائتلاف.
ستكون في خطر سياسي مميت إذا سمحت بإخفاق محادثات الائتلاف الوشيكة. قد تكون هناك انتخابات جديدة يمكن أن تتعرض خلالها بكل سهولة لخسارة أخرى تصل إلى 5 في المائة من الأصوات، وعند هذا الحد سيتمرد حزبها ضدها. تم تحديد الحوافز المتعلقة بكل الأحزاب، ولا سيما قادة تلك الأحزاب، بشكل جيد: ترغب ميركل في تولي مهام الحكم، والحزب الاشتراكي الديمقراطي لا يرغب في الحكم، ويرغب كل من الحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر في الاستفادة من النتائج الجيدة والوصول إلى السلطة.
سيتقدمون بمطالب مرهقة. ربما يكون الحزب الديمقراطي الحر هو الحزب الوحيد في أوروبا المناهض للتكامل الأوروبي، الذي لا يرى نفسه على أنه مناهض للتكامل الأوروبي. زعيمه، كريستيان ليندنر، يواصل التأكيد على أصول حزبه المؤيدة لأوروبا. مع ذلك، يرغب في استبعاد اليونان من منطقة اليورو ويفضل عدم تطبيق أية برامج أخرى من قبل "آلية الاستقرار الأوروبية"، التي هي صندوق الإنقاذ لمنطقة اليورو. في الواقع، يريد أن يتم إلغاء هذه الهيئة نهائيا بشكل تدريجي على المدى الطويل، ويرفض الاقتراح المقدم من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، المتعلق بميزانية مشتركة لمنطقة اليورو. قال ليندنر يوم الأحد إن الميزانية المشتركة من شأنها أن تكون الخط الأحمر لحزبه في محادثات الائتلاف.
خلال الحملة الانتخابية أصر ليندنر على أن الحزب الديمقراطي الحر سيطالب بالاضطلاع بدور وزير المالية في حال تشكيل ائتلاف. وتحرص ميركل على إبقاء زميلها، فولفجانج شويبله، في هذا المنصب. لم يتضح بعد إن كانت ستنجح أم لا، لكن إن نجحت، فإن الحزب الديمقراطي الحر سينتزع بالتأكيد ثمنا باهظا.
في المقابل، يبدو حزب الخضر أكثر اعتدالا. فهو يرغب في تطبيق سياسات أكثر صرامة فيما يتعلق بأهداف الانبعاثات، ويصر على إلغاء تدريجي ومبكر لمحركات السيارات التي تعمل بالوقود، وهو مطلب قد يجد كل من الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاشتراكي المسيحي والحزب الديمقراطي الحر صعوبة في تقبله. لكن حزب الخضر يتمتع بموقف قوي. فهو أكثر ميلا من غيره للانسحاب من المحادثات، الأمر الذي قد يجعله يشكل قوة هائلة في المفاوضات. إذا انسحب من المحادثات على أساس قضية تتعلق بالمبادئ وفرض إجراء انتخابات جديدة، بإمكانه أن يتوقع الفوز بمزيد من الدعم.
كانت ميركل عاملا سياسيا لا يستهان به. وقد علمنا التاريخ ألا نقلل من قدرها. لكن التراجع الكبير في نصيب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاشتراكي المسيحي في الانتخابات يعلمنا أيضا أنها اجتازت أوج سلطتها. فقد تمتعت بوجود ائتلافات موالية ومستقرة خلال فترات ولايتها الثلاث الأولى. هذه المرة سيكون الأمر مختلفا. فقد تنهار محادثات الائتلاف. وقد ينهار الائتلاف نفسه. وقد يتمرد الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي المسيحي عليها.
على مدى السنوات القليلة المقبلة، أتوقع أن تصبح ألمانيا أكثر اهتماما بالداخل. وستكون هذه فترة من المعارك الداخلية الخطيرة داخل نطاق جميع الأحزاب الكبيرة، وفترة من المواجهة مع حزب البديل لألمانيا. دائما ما كنت أرى أن مفهوم القيادة السياسية الألمانية على الساحات الأوروبية والعالمية هو أسطورة. وهذه الأسطورة ستُكشف الآن وتظهر على حقيقتها التي كانت عليها دائما.
وستعمل التحولات في السياسة الألمانية على إبطاء الجهود المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي في وقت تعاني فيه ألمانيا نقصا في الاستثمارات. وهي متخلفة عن الركب فيما يتعلق بالاقتصاد الرقمي. وليست لديها أدنى فكرة عما يجب عليها فعله بشأن كل المهاجرين الذين سمحت لهم ميركل بالدخول. ستكون الحكومة الجديدة أكثر عدائية تجاه صناعة السيارات، الأمر الذي قد يكون شيئا جيدا. لكن لن تكون هناك خطة بديلة.
باختصار، هناك سنوات صعبة تنتظرنا. انضمت ميركل الآن للقائمة الطويلة التي تضم أسماء قادة سياسيين فوتوا اللحظة المثالية للخروج من المسرح في الوقت المناسب.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES