الطباعة ثلاثية الأبعاد .. مستقبل الاستثمار

|

في يوم الوطن نقول كل عام وأنتم بخير، كل عام وهذه البلاد في أمن وأمان ونجاح وسؤدد، وفي يوم الوطن نرسم أجمل اللوحات عن المستقبل الزاهر فيه، عن اقتصاد يجد كل منا فرصة للنجاح فيه، فرصة للعيش الكريم، ويجد أبناء الوطن أبوابا مشرعة للعمل، والإبداع، والترقي. وإذا كنا نشهد اليوم في العهد السلماني المجيد، عهد الإبداع والتغيير ومواجهة التحديات بصدق وشجاعة، عهد التحولات الرئيسة في اتجاهات الاستثمارات الحكومية مع إنشاء صندوق الاستثمارات العامة الذي قفز في غضون أشهر من المركز 32 عالميا لينافس العشرة الكبار، ومن خمس مليارات دولار إلى 180 مليارا، فإننا في يوم الوطن نعلق الآمال على هذا الصندوق في صنع المعجزة الاقتصادية السعودية، ولقد أعلن الصندوق قبل أيام عزمه إطلاق منصة عالمية فكرية لاستشراف المستقبل الاستثماري في العالم.
مستقل الاستثمار هو دائما مستقل العوائد، والعوائد تتبع الإنتاج القابل للبيع، من يكتشف اتجاهات المنتجات والخدمات ويحقق من بيعها أرباحا غير عادية، فإن الاستثمارات ستلحق به وتلاحقه، من يبقى في الصدارة هو من يعيد اكتشاف المنتجات والخدمات ويقبل المخاطرة، وبالأمس أعلن صندوق الاستثمارات العامة أنه بصدد إنشاء شركة جديدة كذراع استثمارية له في قطاع الترفيه المتنامي في السعودية، وسيبلغ رأسمالها نحو عشرة مليارات ريال ومن المتوقع أن تسهم مشاريع الشركة بنهاية عام 2030 في خدمة أكثر من 50 مليون زائر سنويا وتوفير أكثر من 22 ألف وظيفة في المملكة، كما ستسهم في إجمالي الناتج المحلي بما يقدر بثمانية مليارات ريال. وهذا الاستثمار بكل تفاصيله جيد، لكن يبقى الأثر محدودا في مناطق جغرافية معينة، كما أن الاقتصاد في حاجة إلى أكثر من 22 ألف وظيفة. وكما قلت نحن في حاجة إلى قراءة المستقبل والاستثمار هناك، وليس قراءة الحاضر فقط، وبناء الخطط على أساس وضع قد يتغير.
الطباعة ثلاثية الأبعاد ثورة هائلة بكل التفاصيل، وهي ما زالت في انطلاقتها، إنها تذكرني باللحظات الأولى التي سمعنا فيها عن عالم برمجيات الحاسب الآلي، عن تطبيقات مايكروسوفت، عن أبل، عن تطبيقات الجوال، كلها كانت مجرد أخبار طائشة هنا وهناك لكنها اليوم أصبحت جزءا من حياة الأسر، فضلا عن سائر المجتمعات. الطباعة ثلاثية الأبعاد عالم مدهش جديد كليا على البشرية، ولهذا اعتبره ثورة قادمة فعلا، كما أنها تنتشر مثل النار في الهشيم، ويمكن توقع المزيد من هذه الدهشة لو تم تحرير عالم الطباعة الثلاثية من قيودها الحالية. من سيسيطر على هذه الثورة اليوم سيكون سيدا للمشهد الاقتصادي في هذا القرن بكامله، من يتمكن من احتكار العقول العاملة في هذا المجال ستكون بيده أوراق اللعبة كافة في المستقبل.
وإذا كان كبار المستثمرين في العالم من أمثال وارن بافيت يرون أن التسويق الإلكتروني سيقضي على أشكال التسوق القائمة حاليا، بل إن وارن بافيت يقول إنه لم يحقق نجاحا في استثماراته أفضل من الاستثمار في التسويق الإلكتروني، ونحن اليوم نستشعر ذلك فعلا فلم يبق منزل لم يستخدم التسويق الإلكتروني والمتاجر الإلكترونية بل نحن نناقش قضايا مثل "أوبر وكريم" التي تمثل نشاطا مذهلا في توفير الفرص والوظائف، وإذا كانت هذه الحال مع التسويق الإلكتروني فإن اندماجا مقبلا ومتوقعا بين عالم الطباعة ثلاثية الأبعاد وعالم التسوق الإلكتروني سيعتبر ثورة مرعبة جدا، ثورة تحتاج منا إلى فهم عميق لحجم التحولات التي ستفرضها علينا، ثورة تجعل الكثير منا يحصل على ما يريد من منتجات صناعية صغيرة وكبيرة وهو في منزله أو في مكتبه بمجرد الحصول على التصميمات الهندسية لها، فقط يحتاج إلى جهاز للطباعة ثلاثية الأبعاد.
ثورة هائلة تجعل مفاهيم المحاسبة تتغير، وقضايا التكلفة تتبدل فالمؤسسات باختلاف أنواعها سواء كانت حكومية أو خاصة، لن تحتاج إلى المستودعات، ولن تكون بحاجة إلى مشتريات، ولن تراقب الكميات، فقط راقب الأجهزة التي تطبع المنتجات، ولن تصبح الأسواق أسواقا للمنتجات بل للآلات التي تطبع المنتجات. وإذا تصورنا عالم صناعة السلاح مع هذه المنتجات فإن السيطرة على هذه السوق حاليا ستنقذنا مما نجهله. في عالم مثل هذا ستكون الوظائف مختلفة، لكن لا يمكن حصرها، ثورة في التوظيف، لكن كل ذلك سيكون فقط لمن يملك مفاتيح هذه الصناعة، ويملك العقول التي تديرها.
من هنا أدعو صندوق الاستثمارات العامة وفي يوم الوطن أن يهتم بهذا الموضوع جدا، أن يضع قدما في المستقبل وأن يضعنا في هذا العالم من اليوم، وأن يبدأ في الاستحواذ على الشركات التي تبحث وتطور في هذه الصناعة، وأن ينقل هذه التقنية إلى المملكة، كما أدعو الجامعات إلى الاهتمام بهذه الاتجاهات، وأن تنشئ من أجلها برامج عملية متخصصة، خاصة كليات الأعمال التي عليها أن تطور أساليبها التعليمية خاصة في التسويق.

إنشرها