بحوث التسويق .. وعلاقتها بالبحث العلمي

|

كان من المفترض أن أكمل هذا الأسبوع ما بدأته من مقالات بخصوص الثواب والعقاب إلا أنني سأؤجل ذلك إلى الأسبوع المقبل ـــ إن شاء الله ـــ حتى تكتمل جميع عناصره وسأركز في مقالي هذا على مصطلح بحوث التسويق وعلاقتها بالبحث العلمي فقد لوحظ الخلط بين بحوث التسويق والبحث العلمي. في البداية سأبين ما المقصود بالبحث العلمي؟ وكيف يختلف ويتشابه مع بحوث التسويق؟ ثم أعرض أشهر أنواع بحوث التسويق وسأدعم وجهة نظري بآراء رواد هذا العلم. يتكون البحث العلمي من كلمتين: الأولى البحث والثانية العلم. والبحث يعني التحري أو الاستقصاء أو السؤال والاستفسار عن شيء، أما العلم فيعنى المعرفة الموثقة الشاملة حول موضوع محدد. (Kerlinger 1976)
ولكن ما الفرق بين العلم والمعرفة؟ المعرفة هي الإدراك والوعي وفهم الحقائق عن طريق العقل المجرد أو اكتساب المعلومة عن طريق فهم العقل للتجربة أو الخبر، أو من خلال التأمل في طبيعة الأشياء أو من خلال الاطلاع على تجارب الآخرين وقراءة استنتاجاتهم. وأضاف مدكور (1983) أن المعرفة مرتبطة بالبديهة والبحث لاكتشاف المجهول وتطوير الذات وتطوير التقنيات. كما تعرف المعرفة أيضا بأنها: وصف لحالة أو عملية لبعض الجوانب الحياتية بالنسبة لأشخاص أو مجموعات مستعدة لها. فمثلا إذا كنت أعرف أنها ستمطر، فإنني سآخذ مظلتي معي عند الخروج.
إذا نظرنا إلى كلمة علم من حيث اشتقاقها اللغوي فسنجد أنها ترجمة للكلمة الإنجليزية science المشتقة من الكلمة اللاتينية scire ومعناها أن يعرف. وكلمة علم في اللغة العربية تحمل معنيين مختلفين. المعنى الأول يرادف المعرفة ومن ذلك قوله تعالى "وقل ربي زدني علما" أي زدني معرفة أيا كان ميدان هذه المعرفة. نحن نقول في حياتنا اليومية "لا علم لي بهذا الموضوع" أي لا أعرف عنه شيئا. والمعنى الثاني معنى ضيق هو الذي يرادف العلم التجريبي science على نحو ما يتمثل في علم الفيزياء وعلم الكيمياء... إلخ وهو ضرب من المعرفة المنظمة التي تستهدف الكشف عن أسرار الطبيعة بالوصول إلى القوانين التي تتحكم في مسارها.
إذا مفهوم المعرفة ليس مرادفا لمفهوم العلم. فالمعرفة أوسع حدودا ومدلولا وأكثر شمولا وامتدادا من العلم. والمعرفة في شمولها تتضمن معارف علمية ومعارف غير علمية، وتقوم التفرقة بين النوعين على أساس قواعد المنهج وأساليب التفكير التي تتبع في تحصيل المعارف. فإذا اتبع الباحث قواعد المنهج العلمي في التعرف على الأشياء والكشف عن الظواهر فإن المعرفة تصبح حينئذ معرفة علمية. وبناء على ذلك فإن العلم هو المعرفة الموثقة والمعرفة أشمل من العلم لأنها قد تحتوي على علوم.
وبهذا نستطيع أن نعرف البحث العلمي فنقول إنه أسلوب منظم في جمع المعلومات الموثوقة، وتدوين الملاحظات، والتحليل الموضوعي لتلك المعلومات باتباع أساليب ومناهج علمية محددة بقصد التأكد من صحتها، أو تعديلها، أو إضافة الجديد لها، ومن ثم التوصل إلى بعض القوانين والنظريات والتنبؤ بحدوث مثل هذه الظواهر والتحكم في أسبابها (دليل فراسكاتي 2012). من هذا التعريف يتضح أن الهدف الأساس من البحث العلمي هو التحري عن حقيقة الأشياء كما يتعامل البحث العلمي مع القضايا الحياتية ولا بد أن تكون الطريقة المتبعة علمية وموضوعية.
لو عدنا لموضوع المقال وأردنا معرفة العلاقة بين البحث العلمي وبحوث التسويق فنقول إن بحوث التسويق تأخذ خصائص البحث العلمي فهي تتكون من أربع مراحل رئيسة هي: تحديد المشكلة، وجمع البيانات، وتحليل البيانات، وكتابة التقرير. وقد عرف "عبيدات" 2000 بحوث التسويق بأنها عبارة عن أنشطة ووظائف البحث العلمي التي تبدأ بتحديد المشكلة، وتعريفها بدقة، من خلال التعرف على مختلف أبعادها، والأسباب التي أدت إلى حدوثها، إضافة إلى تحديد أساليب وطرق جمع البيانات وتحليلها وصولا إلى كتابة التقرير النهائي عن الدراسة موضوع البحث التسويقي.
من هذا العرض يمكن أن نستشف أن بحوث التسويق تأخذ جميع خصائص البحث العلمي وخطواته الرئيسة والفرعية من بداية المشكلة مرروا بالدراسات السابقة فتحليل البيانات وانتهائها بكتابة التقرير. وكما أن البحث العلمي ينقسم إلى عدة أقسام فإن بحوث التسويق تنقسم إلى عدة أنوع ولعنا نختم بتعريف أبرز هذه الأنواع وهي البحوث الاستطلاعية والبحوث الإنتاجية.
يعرف "العلاق" (1983) البحوث الاستطلاعية التي يطلق عليها أحيانا البحوث الاستكشافية بأنها عبارة عن بحوث ميدانية تجرى في المواقع وبين الجمهور لاستطلاع ومعرفة آرائهم حول موضوعات معينة. وتعتبر البحوث الاستطلاعية الخطوة الأولى في عملية البحث العلمي، حيث تتم الاستعانة بها في تحديد مشكلة البحث والهدف منها جمع المعلومات الأولية التي تساعد الباحث على تحديد أهم خطوة من خطوات البحث التسويقي وهي تحديد المشكلة، مثال: الاستيضاح عن معوقات التدريب.
أما البحوث الاستنتاجية وهي بحوث مكملة للبحوث الاستطلاعية حيث تعتمد على نتائج البحوث الاستطلاعية. وتقوم البحوث الاستنتاجية بدراسة جميع المتغيرات عن المشكلة وبناء على النتائج التي يتم التوصل إليها يتم اقترح عدد من التوصيات. ويمكن إجراء البحث الاستطلاعي والبحث الاستنتاجي في بحث واحد لأنهما مكملان لبعضها بعضا فمن نتائج البحث الاستطلاعي يمكن إجراء البحث الاستنتاجي عندما تكون المشكلة غير واضحة. ولكن عندما تكون المشكلة واضحة فلا حاجة إلى إجراء بحث استطلاعي.

إنشرها