ملتقى «بيبان» مفتاح الآمال

|

انطلق هذا الأسبوع "ملتقى بيبان"، الذي يقام لأول مرة برعاية وتنظيم هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والذي ضم ــ في رأيي الشخصي ــ أكبر تجمع رأيته يهتم بهذا القطاع من جميع جوانبه وزواياه: التمويل، المشورة، الخدمات اللوجستية، الحاضنات، المسرعات، الرياديون، المستثمرون، الجهات التنظيمية، وغير ذلك. بكل تأكيد أن مثل هذا الاهتمام والتفاعل الكبير الذي شهده الملتقى يبشر بالخير نحو تطور موعود لهذا القطاع تحت تحرك ورعاية من الهيئة الجديدة، التي ما زال أمامها عمل كبير وجهد منتظر لتحقيق تطور ونمو لهذا القطاع يتوافق مع المستهدف في "رؤية المملكة 2030"، لترتفع نسبة مساهمته من 22 في المائة إلى 35 في المائة، على الرغم من تواضع المستهدف بالمقياس العالمي، الذي يصل إلى ما يقارب 52 في المائة. وما أجده مستغربا أن يكون طموحنا بهذا التواضع من قبل وزارة التجارة، التي يجب عليها العمل لرفع المستهدف إلى رقم يليق بطموحنا في عام 2030، وأن يكون بالمعدل العالمي نفسه ــ على الأقل.
إن النهوض بهذا القطاع وتنميته ليس بالمهمة السهلة؛ حيث إن أكبر معوقات نموه هو عدم وجود البيئة المناسبة والمحفزة له من جميع الأمور، ولعل أولها وأهمها على الإطلاق التنظيمات والتشريعات التي لا تشجع كثيرا على الاستثمار وكذلك لأي ريادي ورجل أعمال من بيروقراطية متعبة وجهات رقابية وإشرافية تحتاج إلى من يراقبها، التي تعاني المحسوبيات واشتراطات تعجيزية تفرض على البعض وتلغى عن الآخر، تجعل من بداية أغلب الأعمال التجارية مهمة شاقة. وعلى الرغم من التحسن في ترتيب المملكة في تقرير سهولة ممارسة الأعمال الصادر من البنك الدولي، لكنه ما زال بعيدا عن المراكز المتقدمة، حيث حلت المملكة في المرتبة 96 من أصل 190 دولة مشمولة بالتقرير. ويزداد الأمر سوءا لأصحاب المنشآت الصغيرة، حيث القدرات المالية والبشرية محدودة لتحمل تعقيد الإجراءات أو تعسف بعض موظفي الجهات الحكومية المعنية، لكن من الواضح أن جهود الدولة تصب في مصلحة تحسين البيئة لهذا القطاع، وهو ما نشهده من المستهدفات في برنامج التحول الوطني، الذي يعكس إدراك القيادة للمصاعب والبيروقراطية الموجودة اليوم، والعزم على حلها والنهوض بكفاءة الأجهزة الحكومية.
إن من أهم مهام هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة رعاية هذا القطاع واحتضانه وتيسير الإجراءات والاشتراطات، وأتمنى أن نشاهد إنشاء مركز موحد لجميع التراخيص الحكومية؛ بحيث تسهل عملية إصدار التراخيص وجعلها من نقطة ترخيص موحدة لتختصر الوقت والجهد، وتجعل رجال الأعمال والرياديين يركزون على البدء وتطوير العمل بدل الركض بين الجهات الحكومية المختلفة لترخيص نشاطاتهم أو تجديد رخصهم، ومن بين الأمور المحفزة التي يجب على الهيئة العمل عليها إلغاء أي رسوم حكومية على رياديي الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة عند بدء ممارسة أعمالهم، وإعطاؤهم فترة إعفاء تمتد إلى ثلاث سنوات "مثلا" تساعد هذه المنشآت حتى تتقوى وتزيد كفاءتها ماليا ونشاطا بشكل عام، إن مثل هذه التحسينات والدعم مما يسهل تطبيقه إذا تم العمل بشكل جدي عليه، وسيقفز بمستوى سهولة ممارسة الأعمال إلى مستويات متقدمة، ويجذب كثيرا من الشباب ورجال الأعمال الراغبين في ممارسة أعمال تجارية بقوة، وبالتالي سيتحقق النمو والنشاط المستهدف في هذا القطاع، وتتسارع حركة التوظيف والتدريب داخل القطاع والمشتريات والمبيعات ويزيد الزخم داخل الاقتصاد، خصوصا إذا تزامنت مع النجاح في القضاء أو على الأقل التخفيف من ظاهرة التستر التجاري وسيطرة العمالة الوافدة على بعض القطاعات التجارية، ما من شأنه مساعدة الشباب على اقتحام مجالات عمل كانت مستعصية عليه بسبب سيطرة العمالة الوافدة ومحاربة دخول المواطنين إليها.
ختاما إنه من المبهج رؤية هذا الاهتمام والتفاعل من قبل الجهات الحكومية المعنية والشباب والشابات في الملتقى، ويبشر بالخير نحو تحسن حقيقي وفاعل في هذا القطاع الذي عاني عقودا من الإهمال. إن حجم الاهتمام الذي شهدته شخصيا فاق توقعاتي وزاد من أملي في رؤية قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة كأحد المحركات الرئيسة المساهمة في النشاط الاقتصادي "عملا لا قولا" خلال السنوات المقبلة، وجذب مزيد من الشباب المبتكر والراغب في ترجمة طموحه التجاري إلى عمل على أرض الواقع، وإعطاء خيارات أكثر فاعلية للشباب من مجرد الحلم بالحصول على وظيفة "حكومية" إلى خيارات أوسع وأكثر تبدأ بممارسة نشاط تجارى بسيط ومدعوم، والحصول على وظائف من قبل رجال أعمال استفادوا من التحسينات في بيئة الأعمال واستطاعوا تأسيس أعمالهم، وبالتالي توظيف شباب قد لا يناسبهم ممارسة الأعمال بأنفسهم بل العمل موظفين، وبهذا نوجد مجتمعا أكثر حيوية وأعلى كفاءة من التركيز على الوظائف الحكومية، كما تطمح له "رؤية المملكة 2030".

إنشرها