أثر التغيرات المعاصرة في التقنين الدولي والداخلي

|

برزت الحاجة منذ القدم إلى تأطير العلاقات بين الأمم، وكانت العلاقات قديما علاقات حرب وسلم وتجارة بين الشعوب، ومنذ عام 1648 الذي شهد اتفاقية صلح وستفاليا، بدأ شكل الدولة يتخذ الوضع الحالي الذي نشهده اليوم، وبدأت مبادئ مهمة على رأسها مبدأ سيادة الدولة على إقليمها ورعاياها تكون من المبادئ المهمة للدولة.
وعلى الرغم من تطور العلاقات الدولية ودخول فاعلين أو لاعبين جدد ضمن النظام الدولي القانوني والسياسي، ممثلة في المنظمات الدولية، دعت تلك التغيرات إلى مزيد من التنظيم نظرا للتداخلات والمعاملات التي طرأت على العلاقات بين الدولة والدول الأخرى والشعوب وكذلك المنظمات الدولية.
تعكس القوانين كمرآة المجتمعات التي ارتضت تلك المعايير حكما لتنظيم سلوكها، ومع ظهور التقنية الحديثة ووسائل الاتصال والتنقل، تغير عدد من المفاهيم على رأسها سيادة الدولة، وأصبحت مثلا وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا مؤثرا في نقل الصورة الداخلية إلى العالم الخارجي ومن ثم التأثير في الرأي العام الدولي وهكذا. واختلفت أيضا أدوات الدبلوماسية، من الدبلوماسية التقليدية التي تهدف إلى التفاعل مع العناصر الرسمية في الدولة، إلى التأثير في العناصر داخل الدولة ذاتها دون الحديث عن كسر مبدأ السيادة أو حتى عن مخالفة مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول.
يمارس عديد من دول العالم استغلال القانون للمصالح السياسية، لاسيما في حقوق الإنسان مثلا بالتشدق فيما يتعلق بالدول الأخرى والتدخل في شؤونها، في حين أن تلك الدول الغربية خصوصا تاريخها ممتلئ بالانتهاكات التاريخية الصارخة لأبسط حقوق الإنسان ومن الجدير بالإشارة كذلك أن كثيرا من المنظمات الدولية سواء الخاصة بحقوق الإنسان أو غيرها تتبع عادة وجهة نظر الدول أو الجهات التي تمولها، أو تمتنع عن تمويلها، ولذا فإن بعض المنظمات ذات الطابع الدولي، لا ينبغي أخذ كل ما تقوله دون التأكد من مصداقيته.
أسهمت الحضارة الإسلامية تاريخيا في تشكيل الملامح الأولى للتقنين الدولي لاسيما في حضارة الأندلس الإسلامية، وكذا ما تم تدوينه أيضا فيما يسمى بالسير والمغازي، وقوانين العدالة والدبلوماسية والمراسلات والعهود. وقد أثرت الحضارة الإسلامية في عديد من جوانبها في سائر الحضارات شأنها كشأن الحضارات الأخرى كذلك التي أضافت للحضارة الإسلامية وتأثرت بها وهكذا.
ولذا من المهم في عالم التغير اليوم الذي يتسم بسرعة التغيير الرجوع والتفكير في القيم التي تحكمنا وليس مجرد القوانين بل نطرح السؤال: أي قيم نريدها للأجيال المقبلة؟ وأي قيادة قيمية وأخلاقية ستؤثر في العالم؟
لا شك أن الإجابة عن مثل هذا التساؤل ليست بالأمر السهل، وتستلزم كثيرا من المراجعات عن تلك القيم وما إذا كانت سلوكياتنا تعكس القيم التي نريدها حقا.
إن التوازن بين الحريات والأمن أمر صعب ويخضع لمفهوم القيم، ولكنه أيضا وبشكل لا إرادي يخضع لمفهوم السياق، وهو كذلك متغير وينعكس أيضا على التقنين، ومثاله في القانون الدولي ما يتعلق بقضايا الإرهاب والمقاومة المشروعة وغيرها التي ما زالت في نقاش وجدال حول تعريفاتها.
يتجه العالم الآن إلى بروز لاعبين جدد من غير الدولة، مثل المنظمات غير الحكومية ما دون الدولة، ولذا أصبح هناك نوع من التعقيدات التي دعت إلى التنظيم، ومن جهة أخرى تزايدت العمليات داخل المجتمعات نفسها، حيث أضافت نوعا آخر من التركيب، ويمكن ذكر مثال لذلك التعقيد حول التقنين فيما يتعلق بالعملات الإلكترونية "البتكوين" وأحكام الزكاة أو الضرائب الخاصة بها، وفي الوقت نفسه صعوبة تقنينها أو كيفية مراقبتها أمنيا لضمان عدم تمويل الإرهاب أي تقنين نحتاج إليه هنا وتحت أي مسمى وطني أو دولي.
خلاصة القول، تتغير المجتمعات داخليا ودوليا، ويظهر فاعلون جدد يؤثرون في أنماط التفاعلات، وبالتالي تتطور وتبرز الحاجة إلى التقنين، وهنا يجب الرجوع دائما إلى القيم التي عرفت المجتمع وهويته، وأعطته تميزه الثقافي والبيئي والإنثروبولوجي، حيث يؤثر اختلال الهوية في الأمن بمفهومه الشامل، الذي يسعى لفهم المشكلة الأمنية من جميع جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فلا يمكن معالجة القضايا التي تهم المجتمع داخليا أو خارجيا بمعالجة الظواهر دون طرح الأسئلة العميقة عن الأسباب والنشأة، والعوامل التي أدت إلى ظهورها، حتى تتم معالجتها بشكل يضمن سلامة المجتمع والبدن كاملا، وبالله التوفيق.

إنشرها