سوق الاكتتابات .. لا دخل للحكومة بالسوق المالية

|
تعميق السوق المالية، هدف قديم لسوق الأسهم السعودية منذ أن كانت تحت إدارة مؤسسة النقد، ومنذ أكثر من 30 عاما بالكاد وصلنا إلى 176 شركة، وتهدف هيئة السوق المالية إلى أن تصل إلى 270 شركة خلال السنوات المقبلة، ولكن هل يمكن تحقيق هذا "الحلم"؟ ذلك أن متوسط إدراج الشركات بلغ خمس شركات سنويا، ولكنه في السنوات الثلاث الأخيرة تراجع إلى اثنتين فقط والسنة الماضية لم يتم إدراج سوى شركة واحدة، ووفقا لحلم 270 شركة لابد أن يصل متوسط الإدراج إلى 19 شركة وهي قفزة هائلة جدا، لم تصل السوق المالية السعودية إلى نصفها في أي عام سابق. من أجل هذا الحلم نشرت الصحف منذ فترة عن خطة "حكومية"، من أجل الوصول للهدف المنشود، وهذه الخطة تحولت إلى لجنة تضم عددا من الوزارات والمؤسسات الحكومية تهدف إلى تحقيق «الحلم»، ثم نشرت الصحف بالأمس القريب أن هذه اللجنة "الحكومية" أعدت 20 محفزا لمنشآت القطاع الخاص، لتشجيع تحولها إلى شركات مساهمة عامة، من هذه المحفزات التأشيرات وتصاريح العمل والمعاملات الجمركية، ومنها استبدال حصص السعودة المعنية برسوم، ومنها الانتفاع من الأراضي الحكومية وخفض أسعار الإيجار وخفض قواعد الرهن العقاري والتخليص الجمركي وتعديل اللوائح التنظيمية للتصاريح والتراخيص التجارية لتفادي إلغاء أو تعليق عمل الشركات المدرجة حتى تتم تسوية النزاعات المتعلقة بالعمالة، وغيرها كثير، كل هذا فقط من أجل أن تقوم الشركة العائلية الخاصة بالتفضل وبيع 30 في المائة من أسهمها في السوق المالية. يعني باختصار ـــ إن صدقت الأخبار ـــ فسوف نعلق الأنظمة والعقوبات ونوقف الخطط من أجل أن يتفضل صاحب الشركة ببيع أسهمه في السوق المالية. وباختصار آخر، ليس من الضروري أن يكون لديه خطة أو سبب لدخول السوق المالية سوى الفوز بهذه المحفزات التي تعني تعطيل أنظمة وخطط اقتصادية أو تفاديها، لا أعرف هل هذه سوق مالية فعلا، هل وصلنا لاستجداء الشركات العائلية للدخول للسوق؟ أولا: ما علاقة الجهات الحكومية بالسوق المالية؟ السوق المالية ليست جزءا من الحكومة؟ السوق المالية يجب أن تكون مستقلة حرة، حتى تعكس حالة الاقتصاد الراهنة وتوجهات المستثمرين وأثر القرارات الاقتصادية للحكومة. يجب ألا يتحول هدف تعميق السوق والوصول إلى 270 شركة إلى معول هدم لمفاهيم اقتصادية راسخة، أو لتحطيم دور السوق المالية في الاقتصاد. السوق المالية جزء من النظام المالي والاقتصادي، هي سوق يلتقي فيها أصحاب الأموال مع رجال الأعمال لتسوق التمويل بحرية، رجال الأعمال لديهم مشاريع يعتقدون أنها واعدة والمستثمرون يريدون تقاسم الأرباح مع تجنب المخاطر أو توزيعها على السوق ككل، إذا اقتنع الطرفان بالمخاطر والعوائد يقبلان الصفقة وتتم علميات البيع. إذا تدخلت الحكومة وأجبرت رجال الأعمال على دخول السوق من أجل غرض آخر غير التمويل فسدت السوق تماما، إذا تدخلت الحكومة من أجل إقناع المستثمر بالشراء والتمويل من أجل محفزات غير الشركة نفسها وأرباحها واستدامتها فشلت السوق تماما، يجب ألا تتدخل الحكومة في السوق المالية أبدا. إذا تدخلت الحكومة ووجهت السوق المالية فلن نعرف أثر أي فعل اقتصادي أو قرار وسنضيع في صحراء الاقتصاد دون "جي بي إس" للتنقل. ثانيا: إذا كانت المحفزات التي أشير إليها هي أساسية لدخول السوق المالية وإذا كانت ضرورية لتنشيطها وإذا كنا قد تعلمنا منذ الصغر أن السوق المالية مرآة الاقتصاد فإن هذه المحفزات ضرورية لحركة الاقتصاد ككل وليست السوق المالية وحدها، بمعنى أنه إذا تم نشر هذه المحفزات عن الاقتصاد ككل فإن الفائدة ستعم الجميع وستنعكس على السوق في نهاية الأمر، وإذا كانت هذه المحفزات تشمل إزالة وإلغاء عديد من الأنظمة والتعليمات والإجراءات فإنه تجب إزالتها فورا عن جميع القطاعات دون تراجع أو تمهل ودون ارتباط بالسوق المالية، ولا تعتبر مجرد محفزات، وإذا كنا نعتقد أن هذه المحفزات مثل تجاوز أنظمة السعودة وبعض الإجراءات الحكومية، مثل التصنيفات ستحفز على نمو الشركات فلا بد من إزالتها فورا بغض النظر عن السوق المالية والإدراج، ذلك أن "رؤية المملكة 2030" مبنية أساسا على نمو القطاع الخاص، ورأي اللجنة الحكومية أن إزالة هذه الإجراءات تحفز القطاع الخاص. ثالثا: السوق المالية تمثل تمويلا سهلا، تمويلا قليل المخاطر بالنسبة لرجال الأعمال، بل معدوم المخاطر أحيانا، فلماذا لا يقتحمها المستثمرون دون حاجة إلى محفزات "حكومية"، السبب الأول دائما هو وجود تمويل آخر أكثر سهولة، ومن يتذكر اكتتاب البنك الأهلي وكيف مولت البنوك ذلك الاكتتاب بالمليارات في ليلة واحدة وبسهولة كبيرة وبهذا نعرف سبب إحجام رجال الأعمال عن السوق المالية، فإذا كنت في حاجة إلى تمويل لمشاريع فإن البنوك قريبة وسهلة. السبب الآخر هو عدم وجود خطط للتوسع، فلا حاجة إلى التمويل، بمعنى أن القطاع الخاص راض بحالته الآن ولا يريد المزيد، بعض الشركات ضخمة جدا ومملوكة لعدد محدود جدا وتحتكر كثيرا من الأنشطة بأسماء لا حصر لها، والنظام لا يمنع هذه الاحتكارات والسعودة وهمية فلماذا تذهب هذه الشركات إلى السوق المالية لاستجداء المال الكثير عندها؟ رابعا: السوق المالية مرآة الاقتصاد، القطاع الخاص لن ينمو من خلال الشركات القائمة التي تعودت على استحلاب الحكومة وعقود الحكومة بلا إنتاج حقيقي، لن ينمو الاقتصاد بقوة إلا من خلال صناعة رواد أعمال جدد، افتحوا الاقتصاد للمغامرين واتركوا السعي وراء المحتكرين، افتحوا أبواب الاقتصاد أمام الشباب المغامر الباحث عن التمويل، ولنوقف برامج استجداء كبار رجال الأعمال مثل ما نراه في برامج الواقع التلفزيونية،هذه التسهيلات التي نسمع عنها امنحوها المغامرين الجدد وستجدون معنى الاقتصاد. خامسا: أرجو العودة إلى مقالاتي في نقد السوق المالية لنعرف أسباب الوضع الراهن.
إنشرها