«فوركس» و«بتكوين».. وأحيانا أسهم

|
جددت تصريحات جيمي دايمون الرئيس التنفيذي لمصرف جي بي مورجان تشيس الجدل عن حقيقية "البتكوين". تسبب التصريح في هبوط حاد في قيمة العملة الافتراضية المتضاعفة وأثار عديدا من الأسئلة عن كونها عملة ذات قيمة في الأساس قبل أن تكون أداة استثمارية حقيقية، وسبق أن حذرت منها مؤسسة النقد العربي السعودي. من جانب آخر، نشطت هيئة السوق المالية في ملاحقة تجار الوهم المسوقين لتداول "الفوركس" الذين يستهدفون الباحثين عن الثراء السريع بأقل مجهود، وذكرت في بيان لها أنها أحالت متورطين إلى النيابة العامة. وهذه تطورات إيجابية تلفت الانتباه وتكشف كثيرا عن حقيقة ما يتم الحديث عنه من فرص ومغريات استثمارية هي إلى الخداع والاستغلال أقرب. ولكن السؤال الذي يجب أن نتوقف عنده لا يتعلق بكون هذه الأداة الاستثمارية أو تلك شرعية وقانونية، وإنما يتعلق أولا بأولوياتنا الاستثمارية، بعد ذلك يمكننا الحديث عن الخيارات النظامية الموجودة. تقتضي الحكمة أن ترتبط الأولويات الاستثمارية بخطتنا المالية واستراتيجيات الادخار التي نود اتباعها. وعند تحديد ذلك، يمكننا البحث عما يوافق هذه الخطط من خيارات متاحة ملائمة، تكون بالطبع قانونية وشرعية بالكامل. البحث عن خيار استثماري قبل التخطيط المالي العقلاني ومحاولة المواءمة بين ذلك الإعلان المغري أو ما يقوله الصديق المغرر به استثماريا وبين كل ريال نستطيع استخدامه خطأ استراتيجي شنيع، وخسارة مؤكدة للمداخيل المالية التي حصلنا عليها بصعوبة. ترشدنا الحصافة المالية إلى أن العاقل يركز أولا على أهدافه الحياتية ثم المالية ثم بعد ذلك يبدأ بالتعلم والاستشارة والبحث الجيد عن حلول واقعية يحقق بها أهدافه، وهذا لن يحصل بشكل فعال إذا سمحنا بتشويش مغريات الاستثمار السهل علينا. الفكرة نفسها يمكن تطبيقها أيضا على كثير من الاستثمارات النظامية كالأسهم، فهي ليست فكرة خاطئة أساسا ولكن الاستثمار فيها سيكون فكرة خاطئة لو لم يملك المستثمر الوعي المطلوب. لن تكون طريقة لتحقيق الثراء لمن لم يستثمر في نفسه أولا حتى يصل إلى المرحلة التي يعرف ما هي درجة المخاطر التي تلائمه ويتمكن بعدها من قراءة جداول الأداء والملاحظات التي تشرحها. نحن نتحدث هنا عن مهارات حياتية شخصية وأخرى فنية، لو وصلت ـــ على الأقل ــــ لمستوى أولي يلائم احتياجاته الاستثمارية البسيطة لتمكن من التأثير في النتائج بشكل كبير. لكن الحماس وممارسة سلوكيات غير رصينة كالمضاربة والبحث عن الشائعات لا يتسق ـــ طال الزمان أو قصر ـــ مع الخطط الاستثمارية المقننة والجدية. قابلت من يقول لي: "لقد وصلت إلى مرحلة جيدة من فهم عملية التنقيب عن البتكوين، وقريبا سأتمكن من تحقيق الثراء في عملة العالم الجديد". هذا الشخص كان يبحث لأكثر من 13 شهرا عن وظيفة دون جدوى، وفهمت أثناء حديثي معه أنه لم يأخذ دورة واحدة لتحسين فرصه في الحصول على عمل وما زال يستخدم طريقة واحدة للبحث! أنا لا أستطيع نفي الجدوى التقنية للتنقيب عن البتكوين ولا إثباتها، ولكن أرى المسألة ترتيب أولويات لا أكثر. شرط الاستقرار المالي الأول هو الحصول على دخل ملائم ثم استثماره وليس العكس. فالدخل عمليا لا يسقط من السماء، بل ينبغي الحصول على وظيفة أو مشروع ناجح يمكن الاعتماد عليه وهذا بدوره يتطلب استثمارا شخصيا في المعرفة والانضباط وبقية المهارات المهمة. آخرون كثر يسألون باستمرار: ما أفضل شركة محترمة ونظامية لتداول العملات؟! مرة أخرى هذا سؤال خاطئ وأراه ناتجا عن انخداع مثل هؤلاء بما يسمعون في ظل الضغوط المالية التي يعيشونها، التي هي أساسا نتيجة لسلوكياتهم المالية. يصعب الخروج من هذه الدائرة إلا برفع الوعي وتحسين السلوكيات والقرارات التي نقوم بها. السؤال الأهم يصبح: ما أفضل طريقة لزيادة معدل الدخل؟ وحتى من يتجاوز دخله معدلا طيبا عليه أن يسأل عن خيارات الاستثمارات ذات المخاطر الملائمة لخطته الشخصية.هنا تبدأ الأمور بالتغير الإيجابي؛ الطريقة المقلوبة التي تبدأ من مواجهة "المخاطر" قبل التخطيط هي مجرد مدخل للورطات والمآزق. تداول العملات موجود كسوق للمضاربين وليس وهما، إلا أنه يظل استثمارا غير تقليدي ذا مخاطر عالية جدا يمنع في كثير من الدول وتصعب السيطرة عليه وعلى مقدمي خدماته. وفي تصوري ستظل "البتكوين" مصدرا للجدل على شبكة الإنترنت لسنوات قادمة وذلك بسبب نموذج تصنيعها الذكي الذي يغذي نفسه. قد تكتسب "البتكوين" بعض خصائص الأموال، ولكنها ليست أداة يمكن رهن مصير حياتنا عليها، ربما كهواية واهتمام لا أكثر. طريق النجاح يبدأ من الداخل، والتأثر بمغريات ومؤثرات خارجية تم تصميمها للإيقاع بنا يتعارض مع صنع الحافز الشخصي والتحرك وفق مخطط إيجابي نتحكم في تنفيذه. لهذا، يصنع الناجحون خططهم ثم يعدلونها حسب الواقع؛ لا يمارسون الواقع ثم يحاولون التعديل المكلف جدا بعد فوات الأوان.
إنشرها