ثقافة وفنون

المثقف المزيّف .. استراتيجية فردية وفوضى جمعية

رافق عديد من الظواهر التطور المذهل لقطاع الإعلام وتكنولوجيا التواصل، فإلى جانب هيمنة ثقافة الخبر "العاجل والمباشر والحصري..."، ظهرت صحافة المواطن حيث أضحى الجميع مراسلين دون أي دراية بأدبيات مهنة المتاعب، ولا أي تمييز بين الخبر كمادة والتعليق كرأي وموقف. تبقى ظاهرة "المثقفين المزيفين"؛ أستعير التعبير من المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس الذي وضعه عنوانا لكتاب أصدره قبل أربع سنوات (2013) Les intellectuels Faussaires، الذي انتشر بشكل سريع ولافت للنظر على الصعيد العالمي.
يُحشر في زمرة المثقفين "المزيفين" أو "المخادعين" أي شخص سجل عنه أنه تخلى عن قواعد الأخلاق، وقيم الصدق، والالتزام بالصراحة، وزيف الحقائق ونطق بالإفك والبهتان، بغرض دعم موقف فكري أو تأييد قضية سياسية أو تشييع طرح اجتماعي أو نصرة رأي ثقافي. إنهم باختصار ثلة ممن جعلوا للكذب مكانا مركزيا في الجدال العام.
ما أكثر رموز هذا التوجه الجديد، ممن باتوا يتجولون على شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية والحسابات الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنهم في جولة تسوق بين المحال في مركز لتسوق. يظل الهدف الأساسي لهذا الفسطاط من المثقفين هو التحول من مجرد إعلام الجمهور إلى التأثير فيه ولو كذبا وتدليسا لمصلحة جهة معينة، أو تبني وجهة نظر بذاتها في هذه القضية أو تلك.
لقد غزا هؤلاء ممن نطلق عليهم توصيفا مثقفي وسائل الإعلام محل المثقفين الحقيقين. مستثمرين قدرتهم الكبيرة على التزييف وصناعة عملة ثقافية مزورة من أجل ضمان انتصارهم في سوق المعتقدات الراسخة. لكن سؤالا قديما يتكرر من جديد مفاده: هل يمكن للمثقف أن يكون مثقفا ومسوقا إعلاميا؟ بصيغة أكثر وضوحا نقول هل يمكن لمثقف أن ينتج نتاجا فكريا وهو حاضر بشكل مستمر على جميع المنصات الإعلامية؛ واقعية كانت أو افتراضية؟
سؤال نجيب عنه بالإشارة أولا إلى ما كان كبار المثقفين - عربيا وعالميا - يقومون به، متى أراد الواحد منهم أن ينخرط في الجدل العام، إذ يفعلون ذلك عن طريق وضع مؤلفات أو كتب تلائم السياق. وفي حين يفضل هؤلاء اليوم أن يكونوا حاضرين في وسائل الإعلام على أن يقدموا نتاجا فكريا حقيقيا؟
وبالتذكير ثانيا بشبه الإجماع الواقع بين المختصين من بورديو حتى دوبريه على استحالة أن تكون وسائل الإعلام وسيلة للتأمل، أو مكانا لشرح فكرة ما بوضوح وروية للمشاهد والمتلقي، كما تكون عليه الحال متى تعلق الأمر بأطروحة في كتاب أو رأي في مقالة.
مرد ذلك إلى التحول الذي يلحق المثقف هنا، حين يجد نفسه في موقع المختص الذي يتم اللجوء إليه عادة من أجل إعطاء المصداقية لكلام الصحافيين. ونظرا للحدود الملتبسة بين التصنيفين يجد المزيفون أنفسهم يراوحون ما بين المثقف والمختص، مستغلين تلك الازدواجية اللبس للعب على الحبلين؛ فهم يتولون تقديم إيضاحات للجمهور، ويضغطون لصناعة الرأي العام. كل ذلك طبعا دون إغفال التكيف مع الوقت القصير لوسائل الإعلام، وعرض موقفهم على نحو تعليمي تلقيني في قالب حقيقة غير قابلة للنقاش.
قبل عقود من الآن كتب عالم الاجتماع الفرنسي ريجيس دوبريه في كتاب "السلطة الفكرية في فرنسا" في ما يشبه تنبؤا بما نعيشه اليوم قائلا "وسائل الإعلام تتجه نحو الشخصي لا نحو الجماعي؛ نحو الأحاسيس لا نحو العقل؛ نحو الفردي لا نحو الكوني. هذه الخصائص الثلاث الملازمة لأركان الإعلام الجديدة، التي هي في الواقع واحدة، ستحدد طبيعة الخطاب المسيطر وبروفايل حامله. إنها تفرض استراتيجية فردية وفوضى جمعية. لا حاجة بعد الآن لكودات، ولا لإشكاليات، ولا لسياج من المفاهيم".
يفرض علينا تنامي ظاهرة مزيفي الوعي مواجهة حقيقة ما يزال البعض مترددا بشأن قبولها، وتتعلق بالانقلاب القيمي الذي نعيش أطوراه تدريجيا، حيث أضحى الكذب مقبولا، بل صرنا نتعايش معه بأريحية مطلقة. فإذا كانت القاعدة تقضي بأن الرياضي الذي يسجل أداء سيئا مرة تلو المرة قد يستبعد من التصفيات، فعلى العكس من ذلك يبقى المثقف الخبير "المخادع" متنقلا من خطأ إلى آخر، ومن كذبة إلى أخرى دون أن تتوقف دعوته إلى المنصات.
يثار سؤال آخر، علاقة بالتراجع في القيم الذي نعيش على وقعه، مفاده ما الذي يجعل هؤلاء إذا كانت القضية عادلة، أن يلجأوا إلى الكذب لكي يخدموها؟ هل لأن الجمهور أحمق؟ إذا أمكن خداع وتضليل قسم منه مؤقتا، فلا شك أن الغالبية سرعان ما ستدرك حقيقة الأمور. ألم يعبر الأقدمون عن ذلك بقولهم "يمكن الكذب مرة على الجميع، والكذب طوال الوقت على شخص، ولكن يستحيل الكذب على الجميع طوال الوقت". ربما، ولكن المؤكد أنمسلسل التزييف هذا سيطول بفعل هذه التطورات عالم الميديا وإصرار أشباه المثقفين على أداء هذا الدور بشكل محترف، فحصول الواحد من المزيفين على مكان دائم على الشاشات عائد إلى قول ما يكون الجمهور مهيأ لسماعه، وقدرته على الانسلال في السائل الذي يحمي جنين الفكر المشترك، بتعبير أحدهم.
في غمرة مد المخادعين وسيطرتهم على المشهد العام وادعاء امتلاك الحقيقة والتحكم في الرأي العام، تبقى قلة قليلة من ذوي الضمير الحي وعقلاء قبيلة المثقفين وفية لمبادئها منتصرة لقيم أخلاقية وإنسانية خالدة. فهذا بونيفاس يؤكد في الكتاب المشار إليه انحيازه لقناعاته في غمرة التسطيح الإعلامي الذي يغزونا، قائلا "أنا الذي طالما خشيت من ألا أكون واضحا أو دقيقا بما فيه الكفاية، أو من ارتكاب خطأ، الذي طالما عاقبت نفسي إذا حدث لي ذلك، يذهلني كل أولئك المثقفين والخبراء الذين لا يتورعون عن اللجوء لحجج مخادعة، وعن إطلاق الأكاذيب، من أجل حصد التأييد. تبدو وقاحتهم وانعدام ذمتهم بلا حد، وتشكل ورقة رابحة. وبدلا من مقابلتهم بالاستهجان العام يقابلون بمزيد من التهليل".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون