الإنفاق الصحي يحفز النمو

|

بعد فحص موسع لبيانات الإنفاق الصحي والناتج المحلي الإجمالي، استنتج عدد كبير من الباحثين أن الإنفاق يسهم بصورة فعالة في رفع الناتج خصوصا على الأمد الطويل، حيث تؤكد تجارب عديد من دول العالم وجود علاقة إيجابية بين المتغيرين. يبدو لأول وهلة أن هذا الأمر بديهي ومنطقي، لكن إثبات العلاقة علميا يدعم الاستنتاجات المنطقية. وعلى الرغم من أن العلاقة بين الناتج والإنفاق الصحي إيجابية بوجه عام إلا أنها ليست ثابتة لجميع الدول، حيث تتباين مقادير النمو بين دول العالم. ويرجع هذا إلى اختلاف مراحل التنمية وفعالية الإنفاق الصحي وكفاءته في مواجهة التحديات الصحية وتحسين الصحة العامة للسكان. يظهر تأثير الإنفاق الصحي في النمو الاقتصادي بصورة قوية في بداية مراحل التنمية، بسبب تصديه للأمراض المعدية المنتشرة في البلدان وتحسين صحة الفئات السكانية الأضعف التي تضم الفقراء والنساء والأطفال، والزيادة الكبيرة في معدلات الأعمار المتوقعة، وكذلك انخفاض تكاليف الرعاية الصحية في البداية الذي يعظم العائد على الإنفاق. وتستخدم في بداية مراحل التنمية تقنيات متوافرة ورخيصة نسبيا للتصدي للأمراض الوبائية والصحة الوقائية. من جهة أخرى فإن زيادة الدخل تفسر زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية في كثير من دول العالم خصوصا الدول المتطورة، حيث تنفق معظم الدول المتطورة ما يزيد على أربعة آلاف دولار للفرد سنويا من أجل الأغراض الصحية، وتصل في بعض الدول إلى نحو عشرة آلاف دولار.
إن ضخ المال بكثافة وبشكل مباشر في النظام الصحي لا يعني بالضرورة زيادة الناتج المحلي، حيث ينبغي أن يصاحب زيادة الإنفاق الصحي الحوكمة والشفافية والمحاسبة لزيادة فرص نجاح زيادة الإنفاق الصحي في رفع مستويات ومعايير الصحة العامة للسكان التي تقود بدورها إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي. تولد زيادة الإنفاق الصحي وظائف جيدة لعدد كبير من السكان كما تنعش صناعات متعددة كصناعة الأدوية والمعدات والأبحاث الطبية والخدمات المساندة، ما يعزز النمو خصوصا في حالة توافر الأيادي العاملة الماهرة. وحتى لو لم تتوافر الأيادي العاملة الماهرة بشكل كاف - كما هو حاصل عندنا - فإن هذا يوفر فرص عمل مستقبلية لعدد كبير من العمالة. ولهذا فإن زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية تعود بفوائد على الاقتصاد تعوضه ولو جزئيا عن الأموال المنفقة عليها.
يرفع الإنفاق على الرعاية الصحية رأس المال البشري المستثمر الذي يسهم بقوة في تحسين إنتاجية الأيادي العاملة، فالسكان المتمتعون بصحة جيدة يعملون بشكل أفضل ممن يعانون من الأمراض والعلل. وينشط الأصحاء في أعمالهم كما يسعون بدرجة أقوى إلى التعلم واكتساب المهارات لأنهم أكثر تفاؤلا حول الحياة ويتوقعون المعيشة لمدة أطول، ما يسمح لهم بالاستفادة أكثر من المعرفة وتحسين المهارات. تسهم زيادة الإنفاق الصحي في تحسين صحة السكان ما يرفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة. ويشير عدد كبير من الدراسات إلى تأثير إيجابي لزيادة معدلات العمر في النمو الاقتصادي، وقد يكون هذا من أهم الأسباب التي تدعم فرضية أن الإنفاق على الصحة يعزز معدلات النمو الاقتصادي. إضافة إلى ذلك يقود تحسن الصحة العامة إلى استفادة الأعمال من خلال خفض إنفاقها على الرعاية الصحية وتقليل خسائرها من تغيب العمالة الناتج عن الأمراض.
يرى بعض الاقتصاديين أن جزءا كبيرا من التباين - قد يصل إلى النصف - في معدلات النمو الاقتصادي بين الدول النامية والمتطورة يعود إلى انتشار الأمراض وانخفاض متوسطات الأعمار المتوقعة في الدول النامية. أما بالنسبة إلى فاعلية الإنفاق الخاص والحكومي على الصحة فيشير عديد من الدراسات في أعضاء منظمة التعاون والتنمية إلى أن الإنفاق الصحي الحكومي أكثر فعالية من الإنفاق الخاص في تحفيز النمو الاقتصادي. وقد يعود هذا إلى أن الإنفاق العام يركز على الرعاية الأساسية والضرورية بينما قد تميل الرعاية الصحية الخاصة إلى توفير بعض الخدمات الكمالية التي تستهلك من قبل مرتفعي الدخل أو أنها تبالغ في أسعار خدماتها.
لا يقتصر تحسين مستويات السكان الصحية على زيادة الاستثمار في الرعاية الصحية بل يشمل التصدي للعوامل البيئية والاجتماعية والمعيشية التي تؤثر سلبا في الصحة العامة. تشمل العوامل البيئية السلبية، كل ما يزيد مستويات تلوث البيئة الداخلية والعامة ويرفع المخاطر الصحية. أما العوامل الاجتماعية المؤثرة سلبا في الصحة فتختلف من بلد إلى آخر، وتشمل بعض أساليب المعيشة والعلاقات بين الأفراد وتناول الأطعمة أو العادات السيئة كالتدخين وتعاطي المحرمات. يشكل الفقر الغذائي والسكني أهم العوامل المعيشية التي تؤثر سلبا في صحة الشرائح السكنية المتأثرة بها.
عموما ينبغي ألا ننسى وجود عوامل أخرى مهمة تسهم في النمو الاقتصادي، ولا تلغي زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية دور هذه العوامل بل ترفع رفاهية السكان وتسهم في دفع معدلات النمو الاقتصادي، إضافة إلى ذلك يعد الإنفاق على الصحة العامة للسكان من أفضل وسائل توزيع الدخل وتحقيق العدالة الاجتماعية للشرائح السكانية الضعيفة. وتدعم العلاقة الإيجابية للإنفاق الصحي على النمو الاقتصادي ومساهمته الفعالة في عدالة توزيع الدخل ضرورة الاستمرار في الإنفاق على القطاع الصحي والحفاظ على معدلات نموه الضرورية، لتحسين الصحة العامة للسكان.

إنشرها