نحو فلسفة جديدة في الاقتصاد الإسلامي

|
في مقال سابق، قلت إن مشكلة الاقتصاد الإسلامي هي مشكلة منهج تفكير علمي، أو منهج الكشف العلمي نفسه، إذ لا يمكن صياغة الاقتصاد الإسلامي انطلاقا من مرتكزات فلسفية غربية، ولا يمكن للعلمانية الغربية أن تنتج فكرا إسلاميا. والتأصيل الإسلامي للعلوم ليس منهجا للكشف العلمي، ولا أعرف ما هو على حقيقته أفضل من كونه دليلا إضافيا يقدم لدعم الكشف العلمي العلماني ولن يقدم أي إضافة حقيقية لتحسين حياة الناس. لهذا نحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى منهج حر مستقل متسق مع المرتكزات الإسلامية من أجل الكشف العلمي والمساهمة في تحسين حياة المجتمعات. يجب أن نسهم في إنتاج معرفة عالمية جديدة ولن يحدث هذا إلا من خلال العودة لمنهج الكشف العلمي الإسلامي وإصلاحه. الاقتصاد الإسلامي اليوم، في أغلبه، يرتكز على المفاهيم الغربية في تفسير الظاهرة الاقتصادية، لكن المشكلة أن هذه المفاهيم انقدحت في فكر علماني بحت ينكر ما وراء الطبيعة، وهذه مشكلة بذاتها، حيث لا يمكن أن يفكر العقل العلماني إلا من خلال الظواهر التاريخية، لا يمكنه التفكير خارج المكان والزمان، ولهذا تجد النظام دائما غير مستقر، وغير قابل للاستدامة، ويظل الشك محورا أساسيا في البناء. النقطة الأخرى في مشكلة الفلسفة العلمانية، أن النظام كله مبني على نتائج العلم، بمعنى آخر فإن الفقه والقانون ومن بعدهما الثواب والعقاب مبنية على مخرجات البحث العلمي، وليس العكس، أي أنه لا يمكن للنظم العلمانية أن تضع تشريعات وقوانين ثم تختبرها، وحتى إن حصل فإن الاختبارات تأتي نتيجة الشك في المنتج الفقهي التشريعي وليست مبنية على الثقة، فإذا اجتمعت الأدلة العلمية على نقض التشريع يتم تغييره. وهذا لا يمكن أن يحدث في التشريع الإسلامي المستند إلى نص صحيح ثابت. لهذا فإن منطلقات التفسير الاقتصادي الإسلامي من منتجات علمية غربية تتناقض مع مقتضيات التفكير الأساسي في الإسلام. فلا يمكن نقض تشريع إسلامي ثابت مهما تجمعت الأدلة العلمية على نقضه، وإذا حصل وتجمعت أدلة من هذا النوع فإن هناك خللا في المنهج العلمي المتبع ولا شك، ولهذا فإن البحث العلمي في الاقتصاد الإسلامي بمنهج علماني لن يقدم شيئا يستحق ذكره. أعود فأقول إذا كنا نريد بناء تصورات إسلامية اقتصادية، فلا بد من البناء على النص الإسلامي الثابت ومن ثم الإبحار خلف تفسيراته الاقتصادية بغض النظر أين ستقودنا هذه التفسيرات، أي حتى لو انتهت إلى نقض نظريات اقتصادية مستقرة. فمثلا الربا في الإسلام محرم بنص قرآني ثابت وأحاديث نبوية صحيحة كثيرة. لكن ما يحدث اليوم في أغلب دراسات الاقتصاد الإسلامي التي تبحث في الربا أنها تسعى إلى إبراز الأثر الاقتصادي الخطير للربا في الاقتصاد، ففي مثل هذه الدراسات لن تتم إضافة معرفة جديدة أو اكتشافات اقتصادية، ومهما كانت نتائج تلك الدراسات سيبقى الربا حراما كحقيقة اقتصادية إسلامية ثابتة، وأي أموال تنفق في هذه الدراسات فإنها على أحسن الأحوال قليلة الجدوى. لكن الانعتاق من عوائق المكان والزمان سيصنع الفرق، وهنا تظهر عبقرية وابتكارات العلماء المسلمين. يجب أن يدرك الباحث في الاقتصاد الإسلامي أن الهدف من البحث العلمي في الاقتصاد الإسلامي ليس إيجاد تشريعات اقتصادية جديدة، بل يجب التأكيد على أن التشريعات الجديدة خارج النص ستربك الاقتصاد، لكننا نسعى إلى فهم أعمق عن ماهية الاقتصاد الإسلامي، ما هو المال، وما هو الرزق، هل هو الربح، وهو التجارة؟ هل هناك حكومة في الاقتصاد الإسلامي، وما هو دورها، هل هناك قطاع خاص، وما هي النقود، إن الفهم الأعمق لكل هذا سيساعدنا في بناء النظرية الاقتصادية الإسلامية التي من خلالها يجب إصلاح النظم القائمة، وليس أن نقدم لهذه النظم القائمة تفسيرات أو حيلا فقهية لأنها ظواهر اجتماعية حاضرة، ومرة أخرى لا يبحث الاقتصاد الإسلامي في تشريع بل يبحث في سلامة النظام ككل، كما يبحث في تأثير الانحرافات في سلامة النظام، فإذا كان الاقتصاد الإسلامي ــــ كما أشرت في مقال سابق ـــ مبنيا على المسؤولية في التصرف وليس على الحرية، فإن الإخلال بهذا المبدأ فيما يسمى المصرفية الإسلامية يعتبر مخلا بالنظام كلل، وليس بالضرورة أن يكون مخلا بالتشريع نفسه. فحيل بعض من ينتمي للمصرفية الإسلامية قد تجد لها تفسيرا مقنعا للخروج من مأزق النص، لكنها لن تجد مخرجا من تصنيفها خارج النظام الاقتصادي الإسلامي إذا وجد.
إنشرها