هل للخبر الصحافي من قيمة؟

|

وأنت تراقب المشهدين الإقليمي والعالمي لا بد أن تلحظ أن الأحداث والأخبار لها معايير وقيم مختلفة.
وإن كنت من أمثالي مختصا بتحليل الخطاب الإعلامي، لأصابك ليس الاندهاش فقط بل القنوط وقطع الرجاء والأمل بعد تقريبا أي نشرة إخبارية.
من يضع القيم والمعايير لانتقاء الأخبار والأحداث من قبل الصحافيين والإعلاميين؟ الجواب يصعقني. لماذا؟ لأننا نحن أساتذة الإعلام أقمنا أنفسنا حكاما على ما يجب أن يعده الصحافي والإعلامي قيمة خبرية وبموجبه ينتقي الحدث الذي يركز عليه وليس على غيره.
ولهذا، علينا أولا أن نلوم أنفسنا نحن أساتذة الإعلام لأننا نغرس في تلامذتنا مثلا أن قرب وجوار الحدث من الأهمية بمكان إلى درجة أنه يحتم علينا إبرازه والتركيز عليه.
هناك نحو "دزينة" من المعايير التي نلقنها لطلبتنا، بيد أنني سأركز هنا على خاصية القرب والجوار الذي بموجبه يهرع الصحافيون والإعلاميون لتغطية الحدث ومنحه أهمية بارزة ومن ثم اجتراره ومنحه مساحة واسعة.
أظن أن تدريسنا هذه القيم دون مراعاة للتطورات التكنولوجية ولا سيما الرقمية منها، صار له مآخذ سلبية كثيرة لدى طلبتنا، وهم صحافيو وإعلاميو المستقبل، الذين سيطبقونها تقريبا بحذافيرها في تغطيتهم للأحداث.
وأنا شخصيا مقبل على تدريس هذه القيم ومنها معيار القرب والجوار ضمن مقرر خاص حول الكتابة لوسائل الإعلام ونحن على أبواب العام الأكاديمي الجديد. وأنا أراقب النشرات الإخبارية، أرى أن التشبث بهذه الخاصية، منح الصحافيين والإعلاميين الحجة لتقسيم الدول والمجتمعات البشرية والناس بصورة عامة إلى معايير وقيم أيضا.
وتحليل مبسط لنشرة الأخبار التي تبثها وسائل الإعلام الأكثر تأثيرا في العالم أو تنقلها الصحافة العالمية تظهر لنا أن هناك سلما طويلا بعدد كبير من الدرجات، وأن هناك من يجلس في قعر السلم وهناك من يجلس في أعاليه وقمته.
بمعنى آخر القيمة الخبرية للناس والدول والمجتمعات ليست متساوية وكأننا ما زلنا نعيش في الزمن الذي كانت فيه الصحيفة المحلية تشكل تقريبا الوسيلة الوحيدة للحصول على المعلومة والخبر.
اليوم لم تعد الجغرافيا، أي القرب والبعد، تحدد نطاق الوسيلة الإعلامية. القرب والجوار قد يكونان جغرافيا أبعد ما يمكن عن المتلقين الذين يقيمون ضمن النطاق الجغرافي الأقرب.
أنا شخصيا أقرأ صحيفة «نيويورك تايمز» يوميا تقريبا، وجغرافيا أنا حاليا أقرب إليها لا بل أعيش في جوارها مع الناس في مدينة نيويورك والولايات المتحدة بصورة عامة.
وقربي منها لم يكن ممكنا لولا الثورة الرقمية التي جعلتني أقرأ النسخة الإلكترونية للصحيفة، قبل أن ينهض سكان مدينة نيويورك الذين يبلغ عددهم نحو عشرين مليون نسمة، بنحو سبع ساعات.
إذا خاصية الجوار والقرب من الناحية الجغرافية لم تعد مقبولة حتى من ناحية القرب أو البعد الثقافي والاجتماعي وغيره. اليوم أغلب قراء صحيفة "ذي جارديان" وجريدة "صندي تايمز" وأغلب المتلقين للوسائل الإعلامية العالمية الأخرى المرئية والمسموعة والمكتوبة لا يقعون ضمن نطاق هذه الوسائل من حيث الجغرافيا والثقافة وغيرهما.
ولكن إن فحصنا الأخبار والأحداث التي تقوم هذه الوسائل بتغطيتها لرأينا أن الاهتمام ينصب على الجوار الجغرافي والثقافي. ليس هذا فقط بل إن الناس الذين يعيشون في هذا الجوار تضعهم هذه الوسائل في أعلى السلم، والناس الذين هم حسب وجهة نظرها خارج الجوار تضعهم في قعره.
انفجار أو كارثة إنسانية قد تحدث مرة كل مائة سنة في الدول الغربية، تستأثر بالاهتمام البالغ وتغطية متشعبة وشاملة حتى وإن كان الضحايا أقل بكثير من انفجار أو كارثة إنسانية تقع بشكل يومي على شعب آخر وجغرافيا وثقافة مختلفة.
ليس هذا فقط، بل إن الضحايا صارت لهم قيم مختلفة رغم أننا كلنا بشر. وفاة جندي أو فقدان عسكري أو وقوع عدد محدد من الضحايا في الغرب مثلا له من التغطية الإخبارية والتركيز والمساحة قد تفوق ضحايا بالمئات وكوارث بشرية مهولة في أماكن أخرى.
وما حدث لم يكن في الحسبان أيضا وقد يكون هذا نتيجة لطريقة عرضنا وتدريسنا نحن أساتذة الإعلام للقيم الخبرية. اليوم وصل الأمر درجة أن الذين، حسب التصنيف القيمي الخبري في الغرب، يقبعون في قعر السلم هم أنفسهم أيضا ووسائلهم الإعلامية يمنحون قيمة أعلى ومكانة أسمى للضحايا خارج نطاقهم الجغرافي أكثر منه ضمن نطاقهم الجغرافي.
والإعلام العربي مع الأسف يقع في هذا الفخ. رغم أن العرب بصورة عامة والمسلمين بصورة خاصة يقبعون في قعر سلم القيم الخبرية في الغرب، إلا أن الإعلام العربي يصنف الحدث في الغرب وأصحابه كقيمة سامية ويضعهم في أعلى السلم ويبقي جغرافيته مع ناسها وثقافتها في قعر السلم.
هل أنا كأستاذ للإعلام ومحلل للخطاب الإعلامي يقع علي بعض العتب؟ أظن أن الجواب: نعم.

إنشرها