دبلوماسية مراكز الأبحاث

|
تعد مراكز الأبحاث من الأدوات المهمة التي يمكن الاستفادة منها لتشكيل الأطر الموجهة للسياسات العامة وكذلك السياسات الخارجية، ويمكن لتلك المراكز لعب دور مهم في التأثير في الرأي العام الدولي، أو الرأي المتخصص في قضية معينة أو لدى جهات دولية وإقليمية. تتميز مراكز الأبحاث بأنها متخصصة في مجال علمي أو قضية بحد ذاتها، وتدرس تلك القضايا بشكل معمق ومكثف ما يجعلها بيت خبرة يستفيد من مختلف وجهات النظر، علاوة على أن تلك المراكز، تستعين بمختلف القدرات العالمية من أجل الوصول إلى أفضل التوجهات أو السياسات العلمية في مجالها. تقيّم مراكز الأبحاث عالميا عبر عدد من المعايير مثل المنتجات العلمية الخاصة بها وبراءات الاختراع مثلا، ومدى التأثير بالسياسة والتداخل مع العالم الأكاديمي وعالم صنع القرار. يركز كثير من الدول المتقدمة من جهة على تهيئة المنظومة التشريعية والمالية، والفنية، لافتتاح مراكز الأبحاث على المستوى الأهلي، ومن جهة أخرى بشكل حكومي على افتتاح مراكز أبحاث محلية وكذلك عالمية، مع أنظمة مالية مستقلة تضمن استقلال تلك المراكز من ناحية مالية وعلمية وكذلك تأكيد على حرية الأبحاث والرأي والسياسات المطروحة. يمكن أن تقسم مراكز الأبحاث من ناحية التخصصات مثل الاقتصادية والسياسية والسياسات العامة، والعلاقات الدولية، والأمنية والعسكرية، أو ما يتعلق بالتقنية والبيئة وغيرهما من التخصصات المختلفة، ويمكن تقسيمها كذلك بحسب مناطق الاهتمام الجغرافية. أو القضايا ذات الاهتمام العالمي. تتولى جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية إصدار تقرير سنوي لتقييم مراكز الأبحاث وتصنيفها وتسعى مراكز الأبحاث العالمية إلى الدخول في تلك القائمة والتنافس على الدخول في تلك القائمة ودخولها في المراكز التي لها تأثير في صناعة الرأي العالمي الدولي خصوصا في القضايا السياسية والأمنية والعلاقات الدولية. انتقلت الآن أدوات الدبلوماسية، من الشكل التقليدي بين الحكومات بشكل رسمي أو عبر الممثلين الرسميين من سفراء ووزراء خارجية إلى أدوار فاعلين ما غير الحكوميين None State Actor وأصبح لهؤلاء الفاعلين أهمية في التأثير والنفوذ للولوج مثلا في المنظمات العالمية مثل الأمم المتحدة أو المنظمات ما فوق الحكومية مثل الاتحاد الأوروبي، ينبغي الإشارة إلى أن دور الدولة لم يصبح وحيدا في التأثير على الرأي العام الدولي وخاصة الرأي المتخصص، وإنما يتنامى دور الفاعلين من غير الحكومة ونقصد هنا تحديدا مراكز الأبحاث. تختلف مراكز الأبحاث بطبيعة الحال عن شركات الدعاية وغيرها، وذلك لأن تأثيرها ذا إيقاع أبطأ لكنه أعمق ويصل إلى أشخاص ذوي تأثير وصلاحيات عالية، فالبعد الاستراتيجي بعيد المدى، يغير في القناعات ويسعى إلى التأثير في التوجهات العلمية والأفكار السائدة، وبالتالي ينتقل إلى مرحلة التأثير في السياسات. لبعض الدول في الإقليم مراكز تقييمها في كثير من الدول وتدعم هؤلاء الباحثين والمتخصصين للتعامل مع الفاعلين الداخليين لتلك الدولة، والتأثير في المنظمات الموجودة في الدولة المضيفة، ويوجد ذلك المركز بشكل أهلي غير حكومي، وبالتالي فهم أعمق وأدق لعملية صنع القرار ودوائره وبالتالي دراية لكيفية التعامل معه. يبقى من المهم الإشارة إلى عاملين مهمين في نجاح مسيرة المراكز، الأول فيما يتعلق بالنظام المالي لتلك المراكز حتى تكمل مسيرتها، وهنا يجب التفكر مليا في مسألة الأوقاف العلمية، ونظام استدامة وحوكمة يضمن استمرارية عمل تلك المراكز، والثاني في المشاركة التبادلية في التأثير في صنع السياسات، أي كما لمثل تلك المراكز أهمية في توضيح تصور مهم أو قضية دولية لدى الآخرين، من المهم أن يتم الاهتمام وربما تبني ما تقدمه تلك المراكز من سياسات تخص قضية معينة، وهنا تنبع أهمية المناهج المستخدمة للسياسات والسياسات البديلة والسيناريوهات في القضايا المختلفة وخريطة الطريق الخاصة بالسياسات وتأثيراتها المتتابعة أو ما يسمى domino effect أي التأثيرات المتتالية للسياسات في مجال ما، لذا فإن التطور في مجال مراكز الأبحاث يسهم في إيجاد دبلوماسية مرنة ومتعددة الجوانب وتسعى إلى تعزيز مفهوم التبربلوماسية، لا سيما مع اختلاف الشعوب وطرق التعامل مع تلك الشعوب والدول، والمؤسسات الحاكمة لها، والنظم والتشريعات المختلفة. إن إنشاء مثل تلك المراكز يسهم في فهم الشخصيات المختلفة للشعوب، وكذلك للمؤسسات الداخلية لتلك الدول، وبالتالي، يسهم ويساند الدبلوماسية الوطنية، ويعزز من مدى التأثير الدولي وزيادة في التقارب والتواصل من أجل المصلحة الوطنية. وبالله التوفيق..
إنشرها