ليشهدوا منافع لهم

|
قال ابن عباس ــ رضي الله عنه ــ عن الحج "منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والربح والتجارات"، ولطالما ارتبط الحج منذ الأزل بالتجارة والاقتصاد عند سكان مكة والقادمين إليها، حيث عرفت بنقطة التواصل التجارية في موسم الحج بين كل الزوار من مختلف الأصقاع، وذلك كله من أثر دعاء أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - عندما ناجى ربه "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ"، ومنذ ذلك الحين ونحن كمسلمين والعالم كله يشهد أثر هذه الدعوة المباركة، فالملايين اليوم من المسلمين تتوافد إلى بيت الله الحرام، ومئات الملايين تهفو قلوبهم إلى زيارة البيت العتيق لينالوا بذلك الثواب العظيم، وبسبب الرغبة الكبيرة من جموع المسلمين لزيارة بيت الله الحرام، كان للدولة - وفقها الله - جهود مباركة وظاهرة في خدمة الحرمين الشريفين، ومع هذه الزيارات المليونية سنويا ظهرت أهمية التنمية والتطوير المستمر لمرافق الحرمين الشريفين والخدمات المساندة لهما، وظهرت معها مشاريع التوسعة التي بدأها الملك عبدالعزيز ــ يرحمه الله ــ من الفترة 1955 حتى 1973، ثم توسعة الملك فهد ــ يرحمه الله ــ للمرحلة الأولى التي بدأت في 1982 حتى 1988، ثم المرحلة الثانية من عام 1989 حتى 2005، وتبعتهما توسعة الملك عبدالله ــ يرحمه الله ــ التي بدأت في عام 2011 وما زالت تحت الإنجاز حتى الآن، والمتوقع أن تنتهي خلال السنة المقبلة 2018، ثم جاءت "الرؤية" لتوضح التوجه تحت شعار "مجتمع حيوي... قيمه راسخة" ولتؤكد أهمية الحرمين الشريفين وأهمية بيت الله الحرام، بتسخير طاقات المجتمع السعودي وعلى رأسه القيادة العليا لخدمة ضيوف الرحمن من حجاج ومعتمرين، وبذلك ظهرت مؤشرات دقيقة في برنامج "التحول الوطني"، أن المستهدف رفع عدد الحجاج النظاميين للداخل والخارج من 1.5 مليون إلى 2.5 مليون حاج، وقد تحقق أغلب الهدف، فقد يسر الله لـ 2.352.122 حاجا أداء فريضة الحج لهذه السنة 1438هـ ولله الحمد وفقا لبيانات الهيئة العامة للإحصاء. وللمعلومية فقد استقبلت المملكة في سنوات سابقة أكبر من هذا العدد، حيث بلغ حجاج بيت الله في عام 1433هـ 3.161.573 حاجا، وهذا يعني أن هناك طاقة استيعابية بالوضع الحالي، لكن الذي أثر فيها هي أعمال التوسعة التي بدأت في عهد الملك عبدالله، بينما العدد المستهدف من الحجاج في 2030 هو خمسة ملايين حاج، أما من حيث العمرة فقد بلغ عدد المعتمرين في عام 2016 قرابة ستة ملايين معتمر من الخارج، ومن المستهدف أن يرتفع إلى 15 مليونا بحلول 2020، و30 مليون معتمر بحلول 2030. بلغة الأرقام البسيطة هناك رغبة لدى القيادةفي أن يتضاعف عدد الحجاج من 2.5 مليون في 2020 إلى خمسة ملايين حاج بحلول 2030، وأن يتضاعف عدد المعتمرين من نهاية 2016 تقريبا من ستة ملايين إلى 15 مليونا ويتضاعف العدد إلى خمسة أضعاف "30 مليون معتمر" بحلول 2030، وهذا يعني فرصا تنموية مهولة يقودها القطاع العقاري لتوفير الغرف الفندقية ومقار السكن للحجاج والمعتمرين، وتتبعها محال التجزئة والأسواق التجارية لتلبي احتياجات ومتطلبات هؤلاء الملايين، وكذلك لا بد من وحدات سكنية للإيجار والتملك في محيط مكة لاستيعاب الموظفين الذين سيستقرون في مكة والمدينة لخدمة زوارهما، ويجب أن تتوافر المساحات المكتبية التي تستوعب الموظفين والعاملين في الشركات التي ستبذل جهودها في تيسير الخدمات لزوار الحرمين، وكذلك لا بد من مشاريع بنية تحتية وخدمات لوجستية يتقدمها "النقل العام" ليكون رافدا لاستيعاب الأعداد البشرية الضخمة، وهنا نجد أن مشروع قطار الحرمين لتيسير التنقل بين مكة والمدينة ومطار جدة الذي من المتوقع أن يكتمل خلال 2018 سيمثل خطوة مهمة لتسهيل خدمات نقل الزائرين، وكذلك مشروع قطار مكة الذي يربط جوانب مكة وأطرافها بالحرم المكي سيمثل نقلة نوعية في تيسير التنقل داخل مكة بشكل أكثر كفاءة، ويعزز من نمو جميع المناطق خارج نطاق المنطقة المركزية المحيطة بالمسجد الحرام، وهذا يعني انتعاش التطوير والبنية التحتية في مناطق مختلفة من مكة، خاصة تلك التي يمر عليها المترو، الذي من المتوقع أن ينتهي في سنة 2024. الخلاصة، الفرص الكبيرة على مستوى القطاع العقاري بكافة أنواعه ظاهرة للعيان في المدينتين العالميتين مكة المكرمة والمدينة المنورة، لما لهما من أهمية لدى الزوار القادمين من الخارج بالذات، ولذلك يبقى الرهان على إنجاز مشاريع البنية التحتية ومن أهمها النقل وإيصال الخدمات الأساسية وإنجاز مطار جدة الذي طال انتظاره، وتيسير إجراءات التطوير للراغبين في دخول هاتين المدينتين المهمتين، حيث إن مشاريع التطوير العقاري تحتاج إلى سنوات للإنجاز ونحن نسابق الزمن حاليا، وكذلك الحرص على إبراز المعلومات التي تحفز القطاع الخاص على ضخ رؤوس أمواله فيهما، وذلك لتحقيق هدف سام يتمثل في خدمة ضيوف الرحمن، وتحقيق أهداف أخرى تابعة سواء اقتصادية أو تنموية أو اجتماعية.
إنشرها