الاقتصاد الإسلامي .. نحو بناء جديد

|
الحراك الاقتصادي الذي يتمثل في حركة اتجاهات الأسعار، والقيمة، والعرض والطلب، والإنتاج والاستهلاك، كان موجودا منذ الأزل، لكن لم يتم جمع كل هذه المفاهيم وإثبات أن العلاقات والظواهر الاقتصادية موجودة إلا مع نهضة العلم الحديث في أوروبا. الرأسمالية مثلا تستند في وجودها إلى المنهج العلمي الحتمي الذي تم تطويره في إنجلترا في القرن 18 رغم كل التحسينات التي مرت عليه في القرون التي تلت، وعندما ظهرت المدرسة الفكرية الألمانية بمنهجها المثالي لم يعد للرأسمالية وجود مع هذا المنهج، وأصبحت الشيوعية التفسير المثالي للظواهر الاقتصادية وسلوك الإنسان. والمعنى أنه عندما تختلف الفلسفة والمنهج العلمي يختلف الوجود أيضا، ولهذا من الصعب القول بقدرتنا على بناء تفسيرات اقتصادية إسلامية دون أن نطور فلسفة ومنهجا علميا خاصا بنا، ومن خلاله نثبت وجود الظواهر أو ننفيها. لعل أهم مشكلة واجهت الاقتصاد الإسلامي هي استناده في تفسير الظواهر الاقتصادية وإثبات وجودها على منهج غربي بحت ينفي تماما وجود الظواهر فيما وراء المادة، وأيضا ينفي دور الكتب والنصوص السماوية في دعم البحث العلمي لدى الإنسان لاكتشاف الحقائق الكونية والإنسانية من حوله، لهذا نقع بسهولة في فخ ادعاء وجود اقتصاد إسلامي، بينما ما نقدمه هو دعم لا نهائي للنظريات الغربية للاقتصاد، وما المصرفية الإسلامية إلا حلول وتطبيقات فقهية للاقتصاد الرأسمالي. الظاهرة الاقتصادية الغربية تعتمد على فكرة حرية الإنسان في تحديد خياراته الاقتصادية، وهذه ضرورة أساسية لإثبات وجود الظواهر الاقتصادية ككل، فالحرية هي التي تفسر سلوك الطلب والعرض ومن ثم الظواهر الأكثر تعقيدا مثل الكساد والازدهار، وبناء التنبؤات الاقتصادية المختلفة. وإذا كان وجود هذه الحرية شرطا لوجود الظاهرة الاقتصادية، ففي الاقتصاد الشيوعي، الذي لا يؤمن بوجود هذه الحرية، الأسعار والفائدة والتوازن الاقتصادية كلها ظواهر غير موجودة. في الاقتصاد الإسلامي لا يوجد مفهوم الحرية، التي يتحدث عنها الاقتصاد الرأسمالي، ولا حتى تلك التي يتجاهلها الاقتصاد الموجه، بل هناك مسؤولية عن الملكية وليس حرية. الملكية في الاقتصاد الإسلامي تفرض مسؤوليات. المسؤولية في الاقتصاد الإسلامي مقدمة على الحرية. في ظل هذا المفهوم عن المسؤولية يمكن بناء نظرية الاقتصاد الإسلامي. الربح معترف به لكن الحصول عليه يجب أن يتم وفقا لمستويات محددة من المسؤولية، والاستهلاك حق معترف به لكن وفقا لمسؤوليات، فلا تحدد الأسعار وفقا لمفهوم العرض والطلب فقط، بل وفقا لمفهوم المسؤولية الاجتماعية، وعند إخلال أي عنصر من عناصر الإنتاج بهذا الشرط "شرط المسؤولية"، فإنه يجب التدخل شرعا لمنعه من ذلك؛ لأنه سيخل بتوازن الاقتصاد الإسلامي. فالاقتصاد الإسلامي يجد توازنه عند المسؤولية الاجتماعية، وليس وفقا لمفاهيم العمالة الكاملة وأسعار الفائدة، بمعنى أن كلا منا مسؤول عن توازن الاقتصاد وفي هذا آيات كثيرة وأحاديث لا حصر لها، لكن بناء النظرية الاقتصادية الإسلامية يحتاج أولا، كما قلت، إلى بناء الفلسفة الفكرية والمنهج العلمي، فلا يمكن إثبات وجود العلاقة بين المسوؤلية والتوازن الاقتصادي أو التنبؤ به لمجرد جمع بيانات تاريخية وتحليل سلسلة زمنية على أساس أن التكرار في الظاهرة لم يأت مصادفة، بل إنه دليل على الوجود الفعلي. كل هذا من عبث الفلسفة الاقتصادية الغربية التي فشلت أكثر من مرة في التنبؤ بالكساد العالمي، وفشلت حتى في الأزمة المالية الحديثة برغم توافر كميات هائلة من المعلومات والبيانات التاريخية وأجهزة التحليل المتقدمة، إلا أن قدرتها على التنبؤ بحدث لم تنظر له ظلت إحدى المميزات التي لا تنفك عنها. الاقتصاد الإسلامي يقرر مفهوم الرزق وأنه قدر، بينما لا تستطيع الرأسمالية أن تقرر مفهوما كهذا، ولا أن تتعامل معه، وبالتالي لن تدرك آثاره البعيدة المدى على التوازن الاقتصادي. فالإنسان في الاقتصاد الإسلامي لا يملك ملكا حقيقيا للمال، بل ملكا معنويا، فالملك لله على الحقيقة. ومن المؤكد في الاقتصاد الإسلامي أن رزق الإنسان قد كتب له "كقدر"، وهو ما استهلكه الإنسان من ماله، سواء من ملبس ومأكل وغيرهما، مما يستخدم حتى يفنى فيه معنى المال. وبإدخال مفهوم المسؤولية عن الرزق، وإن كان قدرا يظهر على شكل فهم الرزق كمقياس من وحدات، والإنسان له مطلق الحرية في التصرف في هذه الوحدات على أنه مسؤول عنها أيضا، فالموضوع يشبه رصيد حساب البنك، وأنت تسحب من هذا الرصيد وقتما تشاء وكيفما تشاء، قد تسحبه في صورة أكل، أو قوة وصحة أو في أي صورة استهلاكية شئت، وهنا يظهر معنى استهلاك الرزق، فالإنسان منا قد يستهلك رصيده من وحدات الرزق في أمر واحد فيسرف في ذلك، فكل ما تسبب في إفنائه ولو لم يستهلكه بشكل صحيح فهو من رزقه، فهو لم يستفد من رصيده، ولكنه أفنى هذا الرصيد فيما لا فائدة منه، وتظهر فكرة المسؤولية في أن ما نقص من رصيدنا في الرزق لا يمكن تعويضه، فإذا أسرفنا في الماء فقد استهلكنا رصيدنا من وحدات الرزق بقدر ما أسرفنا في الماء، وهو ما قد يؤثر في الصحة وتوافر الأمن والغذاء. وهنا تظهر المسؤولية العامة عن الرزق والتوازن الاقتصادي العام. وفي نظرية مثل الرزق في الاقتصاد الإسلامي "غير الموجودة في الاقتصاد الغربي" يمكن تفسير أثر الصدقة، أو أعمال البر، وصلة الرحم وبر الوالدين والدعاء، التي تزيد من رصيد الإنسانية من الرزق، وهذا التصور الاقتصادي الاجتماعي مهم في بناء الفلسفة الاقتصادية الإسلامية؛ لأنها اجتماعية بناءة. والله أعلم
إنشرها