لماذا الهجوم على الأغنياء؟

|
منذ صدور كتاب عالم الاقتصاد توماس بيكيتي "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" في عام 2013، والهجوم على الأثرياء والمسرفين لا ينقطع. لقد طارت سمعة بيكيتي في الآفاق وكان كتابه ولا يزال محط الأنظار. وكنت سعيدا لظهور ترجمة عربية للكتاب في عام 2016 عن دار التنوير للطباعة والنشر "لبنان". ولقد قام المترجمان، وائل جمال وسلمى حسين، بعمل جدير بالثناء لأن الكتاب، وهو متوافر للقراءة المجانية في الإنترنت، يقع أصلا في 700 صفحة ومكتوب بلغة ليست يسيرة الهضم حتى على المختصين. وفي عرض للكتاب حين صدوره، وصفت جريدة «الجارديان» بيكيتي بأنه ثوري في مواقفه وأغدقت المديح عليه. وسرعان ما تربع الكتاب على قائمة أكثر الكتب مبيعا في الغرب. وأظن كانت جريدتنا الغراء سباقة في تقديم الكتاب ومؤلفه للقارئ العربي حيث نشرت سلسلة من المقالات عن أهم طروحاته. ومن هذه الطروحات أن مساهمة أصحاب الغنى المفرط الذين لا تتجاوز نسبتهم واحدا في المائة من السكان في أوروبا والولايات المتحدة في العجلة الاقتصادية لا يتماشى مع ثرائهم الفاحش وأن الضرائب التي يدفعونها هي أقل بكثير مما يدفعه الإنسان العادي إن أخذنا حجم المداخيل في عين الاعتبار. بطبيعة الحال لم ترق طروحات بيكيتي أصحاب رأس المال في الدول الرأسمالية التي تعتمد في فلسفتها الاقتصادية على التراكم والثراء الذي من دونه تتوقف عجلة الاقتصاد وينكمش النمو ويضمحل ويزداد الفقر والعوز. ولم تؤثر كثيرا في أصحاب القرار فيها حيث نرى أن كل إدارة جديدة تعمل جاهدة لتحقيق وعودها الانتخابية التي تقضي بخفض العبء الضريبي على الأغنياء والميسورين. رغم ذلك لم يكف مناصرو بيكيتي عن تقديم الأدلة والاستنتاجات العلمية والبحثية التي تدلل على أن الهوة بين الفقراء والأغنياء في العالم الرأسمالي في ازدياد وإن لم يستلحق أصحاب الشأن الوضع قد يكون من المستحيل ردمها؛ الأمر الذي ستكون له تبعات اجتماعية واقتصادية وسياسية وخيمة. وتظهر الدراسات المبنية على طروحات بيكيتي في الولايات المتحدة مثلا أن عبء ضريبة الدخل على أصحاب الدخل المحدود "99 في المائة من السكان" قد يكون أكثر من 70 مرة منه على الأغنياء. وعليه تدعو هذه الدراسات إلى رفع سقف الضريبة على الأغنياء وتقليلها على عامة الناس. واستنادا إلى نسب عدم المساواة حسب معامل جيني، ترى هذه الدراسات أن الهوة بين الأغنياء والفقراء في الاقتصادات المتطورة بدأت تقترب من نسبها في الدول النامية. رغم ذلك، هناك محاولات حثيثة في واشنطن مثلا لتمرير تشريع يخفف عبء ضريبة الدخل على الأغنياء. لو نظرنا إلى الأرقام المجردة لمساهمة طبقة الأغنياء في الواردات الضريبية، لرأيناها كبيرة وقد تصل في بعض البلدان الرأسمالية إلى نحو 30 في المائة. بمعنى آخر أن واحدا في المائة من السكان "طبقة الأغنياء" تدفع تقريبا ثلث الحاصل الضريبي. بيد أنه حسب بيكيتي وأنصاره فإن ما نراه من نسبة عالية لمساهمة الأغنياء في الحاصل الضريبي لا يمثل كل الحقيقة أو حتى نصفها. ويرون أن النظام الضريبي لم يكن رقيقا ولينا مع الطبقة الغنية التي تمثل واحدا في المائة من السكان، وقاسيا وصارما مع السواد الأعظم مثلما هو عليه الآن. ولتثبيت موقفهم، يأتون بالأرقام والبراهين التي تؤكد أن الأغنياء يزدادون تأثيرا وثراء من خلال تضخم مداخيلهم حيث يسيطرون على نسبة كبيرة من الدخل القومي الذي في الغالب يتم تحويله إلى رأسمال بدلا من استثماره في التشغيل. وتراكم رأس المال لدى النسبة الضئيلة هذه من السكان منحها خاصية التأثير في السياسة الضريبية والأسواق المالية من خلال قدرتها الفائقة على التدخل في العرض والطلب. والطبقة المفرطة الثراء بإمكانها اللجوء إلى طرق ووسائل كثيرة للتهرب من الضريبة، أي عدم دفع المستحقات الضريبية عن مجمل دخلها بل عن جزء منه. تهريب رؤوس الأموال أو لنقل تحويلها من مكان إلى آخر وحساب إلى آخر لتخفيف عبء الضريبة ممارسة يتقنها الأغنياء. أما بالنسبة لأصحاب الدخل المحدود، فإن مسائل مثل هذه لا طاقة لهم بها، ولهذا يدفعون صاغرين كل فلس من المستحقات الضريبية التي تزداد نسبها بمرور الزمن. وهكذا، ظهرت معادلة ضريبية تخشى عامة الناس حتى التطرق إليها لوقعها الشديد على حياتهم ولكنها صارت مثار غبطة وسرور بالنسبة للأغنياء. أسس هذه المعادلة تستند إلى عوامل مثل الدخل وتراكم الثروة حيث صارت نسبة 99 في المائة من السكان تدفع ضريبة قد تصل أحيانا إلى أكثر من 70 ضعفا مقارنة بالأغنياء؛ أما بقدر تعلق الأمر بنسبة الضريبة مقابل الثروة، فإنهم يدفعون نحو 40 مرة أكثر من الأغنياء. المسألة هي أن الصحافة، ومنذ صدور كتاب بيكيتي تجتر هذه الأرقام على صدر صفحاتها أحيانا. وصارت الأرقام متاحة والهوة التي تفصل بين الأغنياء والآخرين ساطعة. كل هذا أحدث ردة فعل قوية ضد الأغنياء في الدول الغربية أثرت وتؤثر في سلوكيات المجتمع.
إنشرها