التعليم لا ينفع معه التطوير بل يحتاج إلى تغيير

|

تطرقت في مقال الأسبوع الماضي إلى توجه وزارة التعليم إلى إلزام جميع الطلاب والطالبات في جميع الجامعات والكليات والمدارس في شتى التخصصات بدراسة مقرر إلزامي عن الثقافة المالية يكون ضمن خططهم الدراسية. وقد ذكرت أن هذا تحول إيجابي نحو المسار الصحيح في تعليم الناس ما ينفعهم وما يمس حياتهم الحقيقية إلا أن تطبيق ذلك ليس بالأمر الهين. فإكساب الطلاب مهارات التعامل مع المال يتطلب تغيير أفكار وقناعات استقرت في أذهانهم منذ نعومة أظفارهم بترسيخ من المنزل والمدرسة والإعلام والرفقة.
وفي هذا المقال نريد أن نعرف من المستفيد من تجهيل الناس وإبقائهم أميين فيما يخص إدارة أموالهم الشخصية؟ وهل مادة هزيلة كالثقافة المالية ــ التي تزعم وزارة التعليم إقرارها على الطلاب ــ قادرة على تحويل النشء وإكسابهم مهارات تنمية الأموال الفردية أم أن الأمر يحتاج إلى تغيير مناهج التعليم من الجذور بما يناسب الواقع الذي نعيشه؟ لقد نجح الرأسماليون القدامى في الغرب عندما قاموا بتوجيه برامج التعليم وضمن ما فعلوا فصل نظريات وتطبيقات إدارة أموال الشركات عن إدارة أموال الأفراد لدرجة أن خريجي كليات الأعمال، بل حتى الحاصلين على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، بل أساتذة الأعمال أنفسهم غير مؤهلين لإدارة أموالهم الشخصية على الرغم مما يمتلكونه من مهارات لإدارة أموال المنظمات بكفاءة عالية؟
بربكم هل رأيتم من يحمل درجة الماجستير أو الدكتوراه في إدارة الأعمال يستطيع أن يؤسس مشروعا خاصا به؟ بصفتي قريبا من هذه البيئة لم أر ذلك لا في بيئتنا المحلية ولا في البيئات الأخرى الشرقية منها والغربية. فخريجو الأعمال لا يختلفون كثيرا عن نظرائهم في التربية والعلوم والآداب، لأنه يتم إعدادهم في الجامعات من أجل أن يكونوا موظفين. فيفكرون كالموظفين ويستذكرون دروسهم من أجل أن يكونوا موظفين وعند تخرجهم يلهثون وراء الوظيفة ولا يوجد في أذهانهم هدف سوى الوظيفة.
والسؤال لماذا يحدث كل هذا؟ ولماذا يقبل الناس أن يكونوا موظفين "عبيدا" للآخرين بدلا من أن يكونوا أرباب أعمال؟ لماذا ينجح خريجو كليات الأعمال كمديرين تنفيذيين ووكلاء استثمار للغير ولا يستطيعون أن يحققوا ذلك لأنفسهم؟ أليس هذا أمرا عجيبا؟
يرى كيوكاسي ــ صاحب سلسلة كتب رتش داد للتعليم المالي ــ أن هناك فرقا هائلا بين المهارات التي يكتسبها الفرد المعد للوظيفة والمهارات التي يحتاج إليها الفرد كي يكون مبادرا للأعمال. فمهارات الوظيفة سهلة المنال رخيصة الأثمان تقدمها مناهج التعليم من مدارس وجامعات ومؤسسات أكاديمية في أغلبية الاقتصاديات، بينما المهارات اللازمة ليصبح المرء مبادر أعمال أشبه ما تكون بالأسرار العسكرية، فهي مغيبة عن العامة من الناس إلا أبناء الأثرياء الذين يتعلمون مع الناس مناهج التعليم الرسمي ولكن يتم تلقينهم أسرار تنمية المال في منازلهم الفارهة بعيدا عن عيون الناس من أجل ألا ينافسهم العوام في هذا ويكون أقصى طموح السواد الأعظم من الناس الظفر بوظيفة يصعد الموظف السلم الوظيفي الوعر كشيخ ضرير وبعد أن يمسه الكبر يتقاعد ويصرف له راتب بسيط تأكله الضريبة والقروض والأقساط والتضخم من كل مكان. وبهذا يدخل الموظف الحياة الوظيفية فقيرا على أمل أن يكون شيئا مذكورا إلا أنه يخرج منها فقيرا كما بدأ. وقد وصف المنفلوطي الفقراء في نظراته أنهم يدخلون الحياة متسللين ويخرجون منها متسللين وأظنه كان يقصد بالفقراء أي الموظفين.
لقد سيطر الرأسماليون القدامى منذ الأزل على خطط التعليم في أمريكا وأوروبا وقاموا بتوجيهها ويمكن للفرد أن يتعلم كل شيء وأي شيء إلا أسرار المال وكيفية عمله فهذا محرم عليهم من أجل أن يبقى الناس أميين في مجال المال ويرضوا بأن يكونوا موظفين يعيشون على فتات الموائد ويستحوذ غيرهم بالمال والثراء. ومؤسساتنا التعليمية وأصحاب خطط التعليم في الدول النامية تتبعوا خطاهم ومشوا على دربهم واستنسخوا برامجهم دون أن يفطنوا إلى أهمية تدريس النشء ما يحتاجون إليه بالفعل في حياتهم الحقيقية. لماذا يبذل الطالب أجمل أيام طفولته وشبابه في دراسة دورة حياة البعوضة، والجدول الدوري، وأنواع البراكين؟ ماذا يستفيد الطالب من مكونات الذرة، والطفيليات، والطلائعيات، والفقاريات، ونظرية فيثاغورس؟
أليس من الأجدر بدلا من كل هذا الغثاء تدريسهم حساب الأرباح والخسائر؟ والتدفق النقدي؟ والفرق بين الأصول والالتزامات في قائمة المركز المالي؟ والفرق بين القرض الحسن والقرض الجديد والقرض السيئ؟ وكيف يستفيد من كل هذا في إدارة أموالهم الشخصية؟ أنا متأكد أن كثيرا من الطلاب والمعلمين وأساتذة الجامعات أيضا لا يعرفون هذه المصطلحات المالية على الرغم من أنهم يتعاملون معها كل يوم، بل إنني متأكد من أن كثيرا من أساتذة الأعمال أنفسهم ومنهم من في التخصصات المالية والمحاسبة لا يعرفون كيف يستفيدون من هذه الأدوات في إدارة أموالهم الشخصية؟ وقد تسألني كيف عرفت؟ لأنني أرى وأسمع من حولي من يقف عاجزا إذا تأخر عنه الراتب يوما واحدا يبقون حيارى عاجزين غير قادرين على إيجاد مورد آخر ومصدر للمال يعينهم حتى تنقشع الغمة وهذه صفات الموظفين. ونحن لا نلومهم فهم ضحايا تعليم موجه بعيد عن الحياة الواقعية.
وأريد أن أختم فأقول: إننا لسنا بحاجة إلى إصلاحات هامشية في مناهج التعليم أو إضافة مادة هنا أو حذف مادة هناك، بل نحن في أمس الحاجة إلى ثورة على التعليم بأكمله واجتثاثه من جذوره، فمناهج التعليم لا ينفع معها التطوير ولا الإصلاح، بل التغيير والهدم ومن ثم إعادة البناء.

إنشرها