الكهرباء .. منكم وإليكم

|
صنع باحث أوروبي في محاضرة ألقاها في لندن قبل عدة سنوات الرابط التالي، عندما كان يتحدث عن أهم تحديات دول الخليج الاقتصادية: "تقوم معادلة الحياة في المنطقة بشكلها الراهن على توافر الماء العذب والأجواء المعقولة، أو تحديدا المياه المحلاة والتكييف، وهي أكثر العناصر المؤثرة في استهلاك الخليجيين للكهرباء والطاقة. وبوجود الدعم الحكومي، أصبح التأثير في السلوك كمدخل ملائم للتحكم في الاستهلاك أمرا صعبا جدا، وكما تشير الأرقام فإن النمو في معدل استهلاك الفرد للكهرباء ما زال مستمرا. للسيطرة على هذه المشكلة، لا بد من التقليل من الدعم الذي يعد أيضا حلا صعبا، وله متطلبات عديدة". اليوم بدأ ينضج عديد من هذه المتطلبات، بعضها لا يزال وليدا لكنه مبشر. لا أعلم إن كان الباحث الأوروبي لا يزال متابعا للوضع، لكن التطورات الأخيرة في مجال استهلاك الكهرباء تستحق التوقف. قبل يومين، صرح محافظ هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج بأنه يمكن لسكان المنازل الحصول على أنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة ابتداء من اليوم، وأن هناك عدادا جديدا لتنظيم عملية الاستهلاك يمكّن العميل من الاستفادة من فائض الكهرباء. يعني حسب أسلوب إدارة المنزل ومصادر الكهرباء "الشمسية" الجديدة، قد يتمكن بعض السكان من بيع الكهرباء بدل شرائها. وهذا يعني أن المواطن سيسهم اليوم في إنتاج الكهرباء على المستوى الوطني بدل أن يكون أحد أكبر تحدياتها استهلاكيا. وإضافة إلى هذه التطورات، ننتظر كذلك من هيئة تنظيم الكهرباء أن تظهر استفادتها من مبادرات الطاقة الوطنية الأخرى وتضعها في حيز التنفيذ. وهذا يعني مزيدا من البرامج المرتبطة بالقطاع الصناعي وتفعيل مبادرات الطاقة البديلة الأخرى على أرض الواقع. برفع الدعم وإنتاج الكهرباء التبادلي وتحسين مستوى العزل والكفاءة يتشكل مثلث التغيير الأهم في استهلاك الطاقة على المستوى الوطني. يؤسس هذا المثلث المهم لرؤية جديدة في اقتصاد الطاقة المحلي، ويقضي فيها على تحد تقليدي قديم؛ لكن هذا المثلث لا يعمل في عزلة. لا بد من وجود البيئة والسياق الملائمين له، أي تحديدا، الوعي الكافي والحوكمة اللازمة للقيمة التي ستنتقل بأكثر من اتجاه وبين أكثر من طرف. بالنسبة إلى الوعي، فالأمر ليس كما يشاع ويتم التعامل معه في العادة، الحملات الإعلانية قطعا لا تكفي. إذ يتطلب تكون الوعي الإيجابي الداعم للتغيير مكونات عدة من أهمها وجود الحافز. أعتقد أن رفع تعريفة الكهرباء يصنع هذا الحافز، ما دام يأتي ضمن باقة من الأدوات التعريفية المساعدة، وبشكل تدريجي سلس غير مفاجئ. أما بالنسبة إلى الحوكمة فنحن نتحدث هنا عن تمرير الكهرباء والرسوم بين أكثر من طرف، ومنتج وموزع ومستهلك، تحت إشراف المنظم. قد يلبس أحد الأطراف أكثر من قبعة، فالمستهلك قد يتحول إلى منتج حسب التطورات الأخيرة، والموزع قد يتم تقسيمه إلى أكثر من طرف يتعاملون مع بعضهم وفق عقود وترتيبات لا يعرف عنها المستهلك. إضافة إلى ذلك، فتح المجال لخصخصة إنتاج الكهرباء يعني مزيدا من التعقيد والتفاعل داخل دائرة الإنتاج، التوزيع، والاستهلاك، وهذا يعني الحاجة إلى مزيد من الضبط والترتيب. في رأيي، يكون الحل بتفعيل استقلالية المنظم بشكل جيد. أي يجب أن تحظى تأثيرات هيئة تنظيم الكهرباء بنفس قدر الاستقلالية التي تنص عليها وثيقة تنظيم الهيئة. على سبيل المثال، يجب أن يكون صوت المستهلك مسموعا ومؤثرا. يجب أن يتحرك المنتج وفق اعتبار وجود عدة أطراف كالمنظم والمستهلك والموزع، ولا ينظر إلى السوق والنشاط باعتبار تعليمات المنظم فقط، ليصبح المستهلك في جانب وبقية الأطراف في جانب آخر. هكذا يتم صنع التوزان وتؤخذ كل الاعتبارات في الحسبان، التحول الذي يمر به هذا القطاع هو تحول جذري وحساس ويمس معادلة الحياة بشكل مباشر. وبما أن الأمر يرتبط بتأسيس بنية تحتية وعلاقات جديدة لم تكن موجودة بهذا الشكل سابقا، فمن الأفضل تأسيسها بشكل جيد وواضح من البداية، يسهم فعليا في تحقيق الأهداف التنموية المطلوبة.
إنشرها