حلول أزمة الإسكان تبدأ من القضاء على أسبابها

|

أستكمل الحديث حول مواجهة تحدي أزمة الإسكان، وما الآليات والإجراءات اللازم الاعتماد عليها لتجاوز هذه الأزمة التنموية الكأداء، التي أثبت تشخيصها الحقيقي أنها "مفتعلة" من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، منطلقا من الفكرة الجوهرية لمواجهة أية أزمة مهما كانت (أن أية حلول مقترحة لأي أزمة كانت مهيأة تماما للفشل وعدم التحقق، إذا وقعت في مطب الاعتراف والقبول التام بـ نتائج الأزمة، وفي الوقت ذاته تجاهلت التصدي الجاد والحازم للأسباب الحقيقية التي أدّتْ لنشوء الأزمة).
ليس ابتكارا فكريا أسطره هنا، أو أنني بتدوينه للمرة الـ 100 قد سبقت به غيري، حينما أؤكد أن حل أزمة الإسكان يبدأ فقط من معالجة الأسباب الفعلية لنشأتها، وأن أي حلول أخرى، لن تتجاوز وإن أعجب البعض ببريقها في البداية، سوى أن مفعولها سيكون أقرب إلى المسكّنات المؤقتة، سرعان ما سيذهب تخديره، ليعود الألم والداء أكبر مما سبق تناول تلك المسكّنات، ما يعني بالضرورة تفاقم الأزمة أو المرض، ويعني بدوره ارتفاع تكلفة المعالجة والحل.
لتتعرف على الحلول الحقيقية المؤدية فعليا لمواجهة أزمة الإسكان، وتجاوزها بنجاح تام بأقل التكاليف، ودون هدر للموارد والجهود والوقت، ليس عليك إلا أن تحدد الأسباب الحقيقية التي أوقدت نيران تلك الأزمة، لتبدأ من ثم بالقضاء على تلك الأسباب، وإطفاء منابعها بجدية وحزم تامين، وتحصد في نهاية المطاف القصير الأمد، ثمارا يانعة القطوف، وانفراجا واسع الآفاق لم يكن في الحسبان. لماذا قد يفكر البعض في اختراع العجلة من جديد؟ ومتى نجح أحد من العالمين في تجاوز أي أزمة ألمت به، وجل جهده ووقته يدور حولها، ولم يجرب حتى مرة واحدة التوغل في وسطها؟
إذا، العنوان الرئيس: حدد الأسباب، ثم قم بمعالجتها، وكفى الله المؤمنين شر القتال، إلا أنه ما أسهل القول، وما أصعب العمل. تلك معضلة المعضلات بالنسبة لكثير من البشر في أغلب مجالات حياتهم، يهرب المرء طويلا من أسباب وعثائه وتعثره، ثم يعود أخيرا إلى طريق الصواب، وأن لا مخرج له مما هو فيه من شقاء مهما فعل، إلا أن يسلك هذا الطريق فقط! والعبرة الأهم هنا؛ هل استدرك المرء الزمن أم أنه فاته؟!
كان من أول أسباب نشوء أزمة الإسكان محليا، أنها جاءت من اتساع دائرة احتكار واكتناز الأراضي بمساحات شاسعة جدا لعقود طويلة دون أي تكلفة على ملاكها، ما أدى بدوره عبر سنوات تالية إلى "تشحيح" وليس "شح" الأراضي اللازمة للانتفاع والتطوير، وصلت نسب مساحات تلك الأراضي إلى إجمالي مساحاتها في المدن الرئيسة إلى أعلى من 91 في المائة، وفقا لبيانات وزارة الشؤون البلدية والقروية، وتركّزت في المقابل عمليات بيع وشراء الأراضي داخل المدن نفسها، على أقل من 9 في المائة فقط وفقا لبيانات وزارة العدل، كان أغلبها قائما على المضاربات الحامية الوطيس، وهو السبب الثاني الذي زاد من وتيرة تضخم الأسعار! لهذا أتى إقرار الدولة ــ أيدها الله ــ نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات، ولو أن لائحته التنفيذية ارتقت بجدية أكبر إلى الأهداف الرئيسة من إقرار النظام، وعملت بمنهجية شاملة وحازمة أكثر مما هو معمول به الآن، لشهدنا جميعا نتائج إيجابية أكبر بكثير مما شهدناه حتى تاريخه. قد يقول قائل هنا؛ إن ما تقدم مبالغ فيه إلى حد بعيد جدا، وأنه لا يعقل أن يأتي انفراج أزمة الإسكان المحلية من هذا الإجراء، وكيف تم تجاهل بقية الحلول والإجراءات الأخرى الكثيرة العدد؟ أيضا كيف تم تجاهل بقية الأسباب الأخرى، التي أدت إلى الأزمة الإسكانية، كتأخر الموافقة على تراخيص البناء، أو انخفاض وتدني قنوات التمويل العقاري، أو عديد من الإجراءات البيروقراطية الحكومية؟
إن الرد على كل ذلك وغيره من الأعذار لا الأسباب؛ بسيط جدا. بداية؛ تم تشخيص ما تقدم بناء على بيانات رسمية "وزارة الشؤون البلدية والقروية، وزارة العدل"، والأهم من ذلك أن بقية الأعذار الأخرى المرفوع شعارها وصوتها، دائما ما تصدر من المستفيدين "ماديا" من استمرار أزمة الإسكان، مقارنةً بغيرهم من المتضررين وهم الشريحة الأكبر اجتماعيا واقتصاديا، أؤكد أن تلك الأعذار لا ترتقي من قريب أو بعيد، مهما ألحت مصادرها من المستفيدين حصريا من أزمة الإسكان، على التعادل مع الأسباب الكبرى والحقيقية للأزمة! الأمر الآخر وهو الركن الأساس؛ أنه في حال تمت معالجة جميع تلك الأعذار والمزاعم، التي لا يتجاوز أغلبها كونها مجرد نتائج للأزمة الإسكانية أو غيرها من الأزمات التنموية الأخرى، أقول حتى تم حلها، فلن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام على طريق حل أزمة الإسكان! بل قد نتأخر أكثر مما قد يتصوره البعض، وإليك مثال حقيقي على عذر تدني القروض العقارية؛ حينما تم رفع حجم قرض الصندوق العقاري من 300 ألف ريال إلى 500 ألف ريال في آذار (مارس) 2011، حدث أن ارتفع متوسط أسعار متر الأراضي في المملكة خلال العامين التاليين بنسبة 108 في المائة، وارتفع متوسط سعر الفلل السكنية بنسبة 60 في المائة، وهو ما ترتبت عليه زيادة تعقيد الأزمة، وقس على بقية الأعذار الأخرى المزعومة لا الأسباب.
على وزارة الإسكان أن تعلم أن إطفاء 50 في المائة إلى 75 في المائة من التضخم الهائل لأسعار الأراضي والعقارات، كفيل أن يسهل عليها كثيرا تجاوز أزمة الإسكان المحلية بأقل التكاليف على كاهل الدولة والمجتمع. وأن تعلم أن طريقا انطفأت أسعاره المتضخمة بتلك النسب المحمودة جدا، يعني انخفاض تكلفة الإيجارات على مئات الآلاف من المنتظرين لبرامجها الإسكانية، الذي بدوره سيخفف كثيرا من الضغوط الهائلة عليها، نتيجة زوال الضغوط المادية والاقتصادية المكلفة على كاهل المنتظرين لها! وسيسهل عليها تنفيذ برامجها وخططها دون ضغوط هائلة كما هو قائم الآن.
ليس هذا فحسب؛ بل إضافة إلى المرونة الكافية زمنيا التي ستحصدها وزارة الإسكان، لتقوم وتتفرغ في زمن كاف بتنفيذ برامجها الإسكانية، فإن جزءا كبيرا جدا من التكلفة الهائلة لتنفيذ تلك البرامج الإسكانية سيزول تماما عن كاهل ميزانية الدولة، وسيخفض كثيرا من تورط أفراد المجتمع في تحمل أعباء قروض عقارية طائلة، بما فيه ذراعها "الصندوق العقاري" الذي ستتوافر لديه فرص لا حصر لها، ستمكنه مستقبلا من الوفاء بمهامه وأدواره بأدنى التكاليف، وتخرجه من وعثاء العجز الراهن الذي غاصت قدماه فيه دون أية حلول في الأفق القريب. فهل تستجيب وزارة الإسكان أم لا؟! والله ولي التوفيق.

إنشرها