مذهلة ديوان المراقبة .. في الحكومة 12 مليارا لاستشارات توظيف الأجنبي

|

أشار خبر نشره عدد من الصحف يوم الثلاثاء 23 ذو العقدة الماضي إلى أن مراجعة ديوان المراقبة العامة اكتشفت توسع الجهات المشمولة برقابته في عديد من العقود الاستشارية، حيث بلغت قيمة تلك العقود نحو 12 مليار ريال ذهب معظمها في التوظيف وتقنية المعلومات، ووفقا للخبر اعتبر الديوان ذلك مخالفة للأمر السامي القاضي بالحد من الاعتماد على المكاتب الاستشارية. إلى هنا والخبر لافت لكنه وصل قمة الإثارة مع الإشارة إلى ملاحظة الديوان أنه تم تكليف بعض المستشارين بأعمال وظائف قيادية في الجهات الحكومية، وأنه تم توظيف وتزويد الجهاز بالأفراد الأجانب مع استمرار تبعية هؤلاء الموظفين للشركة ودفع رواتبهم من قبلها، مشيرا إلى أن ذلك يؤثر بشكل مباشر في تمكين المواطنين من شغل هذه الوظائف، فتبقى مشغولة بأجانب عن طريق مثل هذه الشركات.
وتعليقي، أولا من يشكك في نتائج ديوان المراقبة العامة فعليه أولا التوجه إلى كل الجهات الحكومية التي صدعت رؤوسنا بالتطبيقات الإلكترونية وتويترات وقوائم رضى المستهلك ليرى بعينيه موظفي شركات التقنية في مكاتب موظفي الدولة يجولون هنا وهناك باسم التقنية وإصلاحات النظام ويشاركون في الاجتماعات بصفة ودون صفة ويقترحون ويدرسون التعديلات على الأنظمة، زيارة خاطفة إلى مكاتب ودهاليز عمادات القبول والتسجيل في الجامعات السعودية وإدارات تقنية المعلومات فيها وفي معظم الهيئات الحكومية المستحدثة تؤكد لك ما لاحظه الديوان، فهل يمكن أن نواجه كارثة إدارية أكبر من هذه؟ وهل يتصور أحد ونحن في ذروة مواجهة القطاع الخاص بالسعودة ونفرض الرسم تلو الرسوم لتأتي الجهات الحكومية ومن خلف الستار بتوظيف الأجنبي من خلال بنود الميزانية العامة وعلى حساب بطالة السعودي ومئات من خريجي الحاسب الآلي دون عمل؟
جذور هذه الكارثة أعمق من مجرد 12 مليارا وقد شرحتها وفصلتها في مقالات عن مصيبة الإدارة العامة الحديثة. فالتعاقد اليوم مع الشركات الاستشارية وإنشاء شركات لتوظيف الأجانب هي إحدى ظواهر المشكلة التي بدأت تتكشف لنا، هي مصيبة رجال الأعمال وأبناء رجال الأعمال في الوزارات وحذرت منها مرارا وتكرارا في مقالات هنا في "الاقتصادية". هي إحدى ظواهر الإدارة العامة الحديثة التي جلبت مفاهيم القطاع الخاص السعودي بكل مصائبه إلى الحكومة ومنها اليوم استخدام الحجج الغابرة نفسها عند عدم الرغبة في توظيف أبناء الوطن بزعم كفاءة العمل والتكلفة والعائد، انتقلت هذه الآفات للحكومة بفضل شركات الاستشارات التي أصبح التنفيذيون في القطاع الخاص من خلالها – وشهد الديوان بذلك – قياديين في الجهات الحكومية تصرف لهم رواتب خيالية فقط لنقل أسوأ تجارب القطاع الخاص إلى الحكومة.
12 مليارا أيها القارئ العزيز تنشئ لنا ثلاث شركات قريبة من حجم "إعمار"، تنشئ لنا ثلاثة بنوك بحجم بنك البلاد، تنشئ لنا شركات تعدين وشركات طيران وشركات جوال واتصالات. هذه الأموال الضخمة تبخرت باسم بطاقات الأداء المتوازن، ورضى المستخدم، ذهبت لشركات تحسين الصورة في تويتر، لمقاييس رضى الجمهور التي تفقد أدنى معايير الاستقلالية والمهنية، لكنها فوق كل هذا تمثل بكل صدق نتيجة تجربتنا في الإدارة العامة الحديثة. لقد أشرت في مقالات سابقة (لعل القارئ يجد وقتا لمراجعتها) عن تجربة الإدارة الحديثة في أوروبا، ولعل مشكلة بعض التنفيذيين الذين حصلوا على بعض الدورات التدريبية في لندن سكول وهارفارد وغيرهما من الجامعات التي نظرت للإدارة العامة الحديثة قد تشربوا التجربة الأوروبية خاصة دون معرفة أسرارها العميقة وفلسفتها الإدارية الأصيلة، وقلت إننا نمر بمرحلة مختلفة تماما ذلك أن أفضل تجاربنا الإدارية نشأت في أروقة الحكومة وأن أفضل القياديين في القطاع الخاص تخرجوا في مكاتب الحكومة. بينما أسوأ تجاربنا الإدارية كانت في القطاع الخاص، قطاع لم ينجح في غير الاحتكارات وهدر حقوق المستهلك، قطاع يفشل تماما لو أوقفت الحكومة دعم البابين الرابع والثالث، قطاع يفصل موظفيه فورا مع المادة 77 ولمجرد قيام الدولة بإعادة هيكلة مصروفاتها، قطاع أفضل ما يتفتق ذهن التنفيذيين فيه هو نطق بطاقة الأداء المتوازن بالاسكور بلنس كارد ويشير بأهمية السوشيال ميديا في إثارة الرأي العام، كيف يمكن لقطاع بهذه الصورة نقل تجربته إلى الإدارة العامة السعودية التي نشأت وتطورت بوزراء كبار ليس أكثرهم شهرة الدكتور غازي القصيبي. إن الخبر الذي نشره الديوان يدل بكل صورة على أن تطبيقات الإدارة الحديثة في القطاع العام لدينا ليست أكثر من استمرار ظاهرة نقل الثروات إلى محتكريها في القطاع الخاص وإذا لم تقف آفة استقطاب التنفيذيين في القطاع الخاص إلى الحكومة فإن المستقبل مملوء بكثير مما لا يسر.
من المهم في الإشادة بالتغيرات التي يشهدها ديوان المراقبة العامة، والتحولات الرئيسة في أعماله وتركيزه على مفهوم الأهمية النسبية الذي يشير إليها هذا الخبر بكل وضوح، فالمسألة ليست بحجم المخالفة فقط بل الأهم نوعها وتأثيرها، والتقرير عنها باحترافية كما شهده هذا الخبر، وما يحتاج إليه الديون هو دعم التجربة الحالية التي يقودها وزيره.

إنشرها