ضريبة القيمة المضافة.. 136 يوما

|

تصاعدت وتيرة الاستعدادات لتطبيق ضريبة القيمة المضافة في المملكة، فيما تبقى أقل من 136 يوما على التطبيق الكامل للنظام الجديد. تعتبر ضريبة القيمة المضافة ضريبة غير مباشرة تفرض على السلع والخدمات التي يجري تبادلها بشكل تجاري. وتطبيقها في المملكة يعد خطوة تاريخية كبيرة كأداة اقتصادية فاعلة تستخدم لأول مرة. والتطبيق أيضا لافت على المستوى الدولي حيث إنه تطبيق لنظام ضريبي يبدأ من الصفر، إذ إن معظم دول العالم تأتي بضريبة القيمة المضافة تطويرا لحلول ضريبية قائمة وثقافة موجودة.
وبينما يتحمل المستهلك النهائي تكلفة ضريبة القيمة المضافة إلا أن المنشآت التي تحصلها نيابة عن المستهلك تتكبد كذلك جزءا من التكاليف حينما يصعب عليها الربط الكامل بين المخرجات والمدخلات، فهي تحصل نيابة عن المستهلك وتدفع للمورد وتمرر الصافي لهيئة الزكاة والدخل. وتزيد عناصر التكلفة إذا نظرنا بطريقة أكثر شمولية وأضفنا التغيير المتوقع في سلوك المستهلك وتكلفة تحصيل الضريبة والرفع بها. هي مخاطر متأصلة في هذا التغيير، تصنع التهديد للمنشآت ولكنها في الوقت نفسه تضمن توافق المنشآت على حد أدنى من المتطلبات والإجراءات.
تواجه المنشآت التي تملك سجلات وأنظمة آلية تحديات كبيرة ومكلفة، بينما تواجه المنشآت الأخرى المتواضعة هيكليا وإجرائيا تحديات أكبر تهدد وجودها. على سبيل المثال، يتطلب الالتزام بمتطلبات تطبيق ضريبة القيمة المضافة عدم تمرير الخدمات والمنتجات إلا بفواتير موثقة مكتملة المعلومات، وهذا تغيير مكلف لمن يملك خدمات منوعة وعددا كبيرا من العمليات غير المبوبة بشكل جيد. كذلك، سيتغير الحال عند من اعتاد على ضبط وضعه الزكوي بالتقارير الجزافية، فالاحتفاظ بسجلات نظامية والحصول على تقارير مدققة يعتبر مطلبا طبيعيا للالتزام بضرائب القيمة المضافة.
تشكل متطلبات ضريبة القيمة المضافة عبئا استثنائيا على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إذ إن التسجيل إلزامي يبدأ عند من تتجاوز إيراداته السنوية 375 ألف ريال، وهذا يعني معظم المنشآت الصغيرة والناشئة الناجحة. كنت أتمنى أن تعفى المنشآت التي لم تتجاوز السنة الخامسة منذ التأسيس من متطلبات التسجيل الإلزامي ويتاح لها التسجيل اختياريا، لأنها لا تزال في مرحلة البحث عن الاستقرار والثبات.
عقدت هيئة الزكاة والدخل قبل يومين مؤتمرا عن ضريبة القيمة المضافة، وهو ضمن جهود الهيئة المستمرة لتهيئة السوق للتغيير الجديد. تضمن ذلك عددا من الورش المتنوعة ومحاولات الربط بين مقدمي الخدمات الضريبية والمستفيدين. خلال المؤتمر، تعاملت الهيئة مع المنشآت حسب القطاع الذي تنتمي إليه، وهذا منطقي إذ يشير إلى أن كل قطاع له تحدياته الخاصة ويتطلب تحضيراته الخاصة. ولكن، على الرغم من كل هذا الاستنفار من قبل الجهات التنظيمية والمنشآت إلا أن كثيرين لم يصحوا بعد من غفوتهم. بعض الشركات تنتظر أن ترى ماذا سيفعل غيرها، وبعضها لم تكتشف أهمية الموضوع بعد. وعطفا على جدية الهيئة في طرح التغيير، واضح جدا أن المتأخرين سيتكبدون خسائر إضافية. البعض الآخر ينتظر التأجيل وهذا في نظري أمر مستبعد، ربما يتم تجميد بعض المتطلبات بشكل مؤقت فقط ولفترة محدودة.
وكما يقول المتنبي، ...
مصائب قوم عند قوم فوائد
إذ تنتعش في هذه الأيام سوق الخبرات الضريبية، وتحيا المواد التدريبية المتخصصة بشكل ليس له مثيل. إعادة الهيكلة، والتسعير، وضبط الإجراءات تحتاج إلى حضور المستشار خصوصا عندما لا تملك المنشأة القدرة على تقييم وتعديل استعداداتها، وهذا حال معظم المنشآت إن لم يكن الكل. وفي نظري، يشكل تطبيق ضرائب القيمة المضافة ولادة سوق المهن الضريبية في المملكة. التنظيمات السابقة كانت محدودة التأثير في استقطابها للمهن والمهارات، ونظرا لاتساع رقعة التأثير اليوم فالأمر مختلف وننتظر صداه في الجامعات والكليات السعودية. في الحقيقة الوعي الضريبي أصبح اليوم مطلبا مهما، ليس داخل الشركات فقط وإنما خارجها في مجتمع المهتمين والمستهلكين كذلك.

إنشرها