البنية التحتية السعودية بين الجدوى والكفاءة

|

مشاريع البنى التحتية الضخمة تعد من إحدى أهم وسائل التنمية الاقتصادية الفاعلة. فعلى مدى الزمان، ترافق النمو الاقتصادي بتوسع البنية التحتية، مثل شبكة السكك الحديدية البريطانية في أعقاب ثورتها الصناعية التي وفرت الحديد والآلة البخارية. مهدت تلك الاكتشافات انتشار الصناعة في أرجاء بريطانيا، فالنمو الاقتصادي سهل تدفق الاستثمارات إلى مشاريع البنى التحتية وهي بدورها حولت الريف البريطاني إلى التصنيع. السبب الرئيس وراء تلازم النمو الاقتصادي مع مشاريع البنى التحتية يكمن في أن العائد الناتج عن الإنفاق على البنية التحتية يأتي مضاعفا في إجمالي الناتج المحلي، إما بشكل مباشر عن طريق التوظيف، أو بشكل غير مباشر عن طريق زيادة كفاءة الاقتصاد ومستوى التواصل بين مختلف مناطقه.
لا يختلف الاقتصاد السعودي عن أي اقتصاد في العالم في نتائج ما ينفقه على مشاريع البنية التحتية. بل إنه يرقى لأن يكون أداة للسياسة المالية للحكومة، نظرا لانخفاض مساهمة القطاع الخاص وقلة القنوات الاستثمارية المتوافرة للحكومة لإيصال العوائد النفطية إلى داخل الاقتصاد السعودي. إلا أن ما يختلف الاقتصاد السعودي فيه بهذا الخصوص هو انخفاض مضاعف الإنفاق. الوظائف التي يتم توليدها نتيجة لمشاريع البنى التحتية، إنشاء كانت أو صيانة، تذهب في معظمها إلى العمالة الرخيصة، إلى جانب أن عمليات المراقبة الضعيفة تؤدي إلى انخفاض جودة المشاريع، ما يؤدي إلى زيادة تكاليف محصلتها النهائية عما تم التخطيط له. فإنشاء نفق أو جسر بمبلغ محدد بمواصفات أقل من المطلوب ولكن بقيمة العقد نفسها يعني تآكل القيمة الحقيقية والفائدة المرجوة من المشروع. وهو ما دفع الحكومة لإعادة النظر في كل المشاريع القائمة والمستقبلية لإعادة تقييمها.
مع دخول النفط في مرحلة غير مسبوقة من الأسعار المنخفضة، التي يتوقع أن تتحول إلى واقع لا يمكن تغييره، فإن ذلك يشكل ضغطا على قدرة الحكومة في الاستمرار في سياسة إنفاق توسعية تعتمد حزما تحفيزية لمشاريع البنية التحتية. ولكن في الوقت نفسه فإن البنية التحتية للاقتصاد السعودي تحتاج إلى الاستكمال والتطوير، وكذلك ربط المشاريع العملاقة المترامية الأطراف. ولذلك فمن المهم اعتماد نموذج تمويل يحفز القطاع الخاص على الاستثمار في مثل هذه المشاريع، إضافة إلى رفع مضاعف الإنفاق.
يمكن رفع مضاعف الإنفاق عن طريق اعتماد الطاقة المتجددة كجزء لا يتجزأ من أي مشروع. فتتحول الطرق إلى نواقل للطاقة، وتعمل على توزيع فوائض الطاقة إلى المناطق الأكثر احتياجا، وتتحول المباني إلى مولدات وبطاريات للطاقة. وحتى نصل للاستفادة القصوى، فيجب الترويج للعمل التقني في مجال الطاقة المتجددة، بحيث تصبح جاذبة للشباب السعودي. وحتى لا تثقل المشاريع كاهل الميزانية فإنها بحاجة إلى جذب رؤوس الأموال المتوافرة في القطاع العقاري. فهذه المشاريع يمكن أن تهندس ماليا لتوفر لصاحبها عائدا ثابتا، فكل ما على الحكومة فعله هو خفض جاذبية الاستثمار في العقار عن طريق الرسوم والضرائب، وتيسير القوانين للاستثمار في مشاريع البنى التحتية مع توفير القطاع المالية لمنتجات استثمارية لكل طبقات المجتمع، فتتدفق الأموال بانسيابية طبيعية من قطاع غير منتج إلى آخر فعال وحيوي.

إنشرها