الأوقاف في البحث العلمي والبيئة والرياضة

|
تعتبر المملكة من أكبر الدول العربية مساحة، وهي أيضا من أكثرها تنوعا من ناحية بيئية وجغرافية، وكذلك سكانيا، ويقارب عدد السكان 31 مليون نسمة، وهذا العدد مرشح بطبيعة الحال للزيادة بشكل كبير في السنوات القليلة المقبلة، نظرا لأن غالبية السكان من فئة الشباب. وتعتبر الرياضة والنشاط البدني والتنوع الرياضي من الأسس التي يبنى عليها المجتمع، و تؤثر في صحته وأمنه وتطوره الاجتماعي، ورفع سمعته في المحافل العالمية، علاوة على تعزيز القيم الجميلة والروح الرياضية، لا سيما عند تنوع الألعاب الرياضية وليس التركيز على لعبة كرة القدم كمثال. وتجدر الإشارة إلى مفهوم الوقف، وأهميته وتطويره والبحث فيه ليشمل كل مناحي الحياة من الجوانب الشبابية والعلمية والبحثية، والخدمية، وغيرها من الخدمات التي تحتاج بطبيعة الحال إلى نوع من المصروفات الدائمة، وكيف أن التوجه في بعض وجهات النظر الاقتصادية عدم تحميل الدولة جانب التشغيل في عديد من الخدمات العامة، ويمكن ذكر الرياضة كنموذج يمكن أن يستفيد من مفهوم الوقف بمفهومه الشامل. تعيش الأندية والاتحادات الرياضية تغيرا كبيرا وهي تقوم بخدمات مهمة لنشر الألعاب الرياضية من جهة، وكذلك التنافس في الألعاب المختلفة، وتزويد المنتخبات الرياضية بكفاءات من شأنها تمثيل الوطن في المنافسات الدولية. كثير من الأندية تعتمد في ميزانيتها على الدعم الذي تحصل عليه من الداعمين، وهذا شيء جيد، لكنه يتفاوت من منطقة لأخرى ومن ناد لآخر، حسب شعبيته وموقعه ومحبيه وقدراتهم. من هنا تأتي أهمية اعتماد الأوقاف للعمل الرياضي والشباب، وأهمية أن يكون لكل ناد خطة امتلاك أوقاف تقوم بعد ذلك بالصرف على النادي وأنشطته الرياضية، وتعيين مجلس إدارة وتنمية الوقف التي من شأنها أن ترفع الاستثمار لكل ناد وتزيد في ممتلكاته، شرط أن يتم توزيع تلك الأوقاف لكل الألعاب الرياضية، لا أن تذهب كلها في "صفقة لاعب كرة قدم" حيث لا تفيد تلك الصفقات أبناء الوطن ولا تنميهم، وإنما تنمي تنافس النادي من جهة أحادية في رياضة واحدة. إن ثقافة الوقف كذلك يجب أن تخرج من النهج التقليدي كذلك، حتى في المجالات العلمية ومراكز الأبحاث، كم عدد مراكز الأبحاث التي يرخص لها كذلك بشكل سهل ودعمها لتملك أوقاف حتى تستطيع بعد ذلك أن تكمل مسيرتها العلمية، من المهم كما نشاهد من أعمال جليلة تسعى إلى إنشاء أوقاف مثلا لكفالة الأيتام أن نرى أوقافا للأبحاث الهندسية التطبيقية، وأوقافا كذلك خاصة بالخلايا الجذعية، وأوقافا أخرى لبراءات الاختراع. إن التوسع في مفهوم الأوقاف، وإقرار السياسات التي تترك مساحة حرية مسؤولة في الإدارة المالية، أمر مهم ويعزز من الإبداع والمسؤولية والقيادة، والتنافس كذلك في أفضل الممارسات في إدارات الأوقاف أمر يتعلق بثقافتنا، ولكننا تأخرنا قليلا فيه، وحري بنا، مثلا تأمل الممارسات الوقفية في الولايات المتحدة والجامعات الأمريكية وأوقافها وكيف أن تلك الأوقاف الجامعية تسهم بشكل كبير في تميز الجامعة، ومنح الطلاب المتفوقين وغيرها من طرق إدارة وصرف الأوقاف في المنافذ التي تعزز تميز تلك الجامعات. ونظرة أخرى إلى الأوقاف البيئية أو البلديات، فكما أن هذه الوزارة المهمة، التي تعنى بالأمور البيئية والحيوية، من الأهمية بمكان أن يكون لها أوقاف خاصة بالمشاتل والتنوع البيئي والزراعي، مشاركة مع وزارة الزراعة وكذلك الجهات المعنية بالبيئة. كل تلك المجالات وغيرها لن تتم بكفاءة إلا بعد حزم من الأنظمة الخاصة بالشفافية والحوكمة، وكذلك الربط الإلكتروني والحصر، وتحويل تلك الأوقاف المتخصصة، إلى عمل احترافي مؤسساتي، يخضع للمساءلة والمحاسبة، ويضمن بشكل دوري، كل أربع سنوات كمثال، انتخاب أعضاء مجلس إدارة الوقف، وكشف ونشر حسابات ذلك الوقف، والتعلم المستمر من أفضل الممارسات الدولية، من جهة إدارية أو قانونية، أو إلكترونية مصرفية. تعتبر المصارف وشركات الاتصالات أمثلة من الشركات التي كسبت كثيرا من المجتمع السعودي، وتخضع تلك الشركات لأنظمة الحوكمة في هيئة سوق المال، ولاشك أن إدراج فرض الأوقاف المتخصصة كجزء من المسؤولية الاجتماعية لتلك الشركات، أمر مهم جدا حتى تقدم تلك الشركات جزءا مما ربحته للمجتمع وتضمن تواصلا مهما مع مكوناته بشكل مستدام.
إنشرها