الشركات العائلية الممولة للأعمال الخيرية تعطي دروسا مجانية

|
لا يعد رأس المال الاستثماري، والعمل الخيري، والشركات العائلية مفاهيم منفصلة. فجميعها تعكس القيم الريادية للاستثمارات الطويلة الأمد التي تتمثل في الالتزام الشخصي، وبناء فرق العمل، والتفكير المبتكر. إذا ما سألت مديري الشركات العائلية عما يميزهم، سيأتون على ذكر رؤاهم المستقبلية، ومن المرجح أن يأتوا على ذكر دور القيم الأسرية في تكوين شخصياتهم والوصول إلى ما هم عليه. يعود الفضل في تأسيس عديد من الصناعات إلى الشركات العائلية، ابتداء من آخر صيحات الموضة إلى صناعة السيارات، وأسهمت قدرتها على الاستمرارية في بناء أسماء جديرة بالثقة لتصبح في نهاية المطاف معروفة على صعيد الأعمال الخيرية. بما أنه يتحتم على الجيل الجديد من مديري الشركات العائلية إدارة مؤسساتهم في القرن الحادي والعشرين، تخلى عديد منهم عن فلسفة "الثراء أولا، ورد الجميل في وقت لاحق". فهم يتطلعون لأن يتركوا أثرا في الوقت الذي يسعون فيه لتحقيق طموحاتهم. يعد الحفاظ على سمعة الشركة بالنسبة لأصحاب الشركات العائلية أكثر من مجرد تقديم منتجات ذات جودة عالية بأسعار معقولة، ففي الوقت الذي يسعون فيه إلى الحفاظ على استمرارية الشركة إلى الأجيال المقبلة، يعطون أهمية كبيرة للعطاء كجزء من تراثهم. ويشاركهم هذه القيم أقرانهم في عالم الشركات، ولا سيما أولئك الذين أعادوا ترتيب حساباتهم كنقطة انعطاف في حياتهم المهنية. هناك الكثير بإمكاننا تعلمه من أولئك الذين لديهم القدرة والصبر على المدى الطويل بما يصب في مصلحة المجتمع، كما تظهر لنا قصة عائلة شهيرة ناشطة في مجال الأعمال الخيرية. تعد مساعدة الطبقة الفقيرة في المجتمع بمنزلة تقليد لدى عائلة جيمس تشن، ولا سيما في مجال التعليم ومحو الأمية بشكل خاص. وهم الذين أسسوا فكرة أن الامتيازات تتطلب مسؤوليات تجاه المجتمع. لذا كان من الطبيعي أن تنجح أسرتهم في إنشاء مؤسسة تشن يت سين الخيرية. يقول تشن إنه تأثر بوالده الذي تميز في تلك الفترة بحبه للأعمال الخيرية، فكان على عكس أقرانه الذين اعتادوا التبرع بالأموال لمصلحة بلدانهم، لدعم المدارس والمستشفيات، أما والده فكان يفضل الإشراف بنفسه على كيفية صرف تلك الأموال، والسفر إلى تلك الأماكن والتقرب إلى المسؤولين للتأكد من سير الأمور بشكل صحيح. فكان لذلك أثر كبير في تشن وطريقة عمل المؤسسة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفهم احتياجات المشروع والإشراف على متابعته بشكل مباشر. يقول تشن: "نحاول تطوير خبراتنا وفهم كيفية سير الأمور، فالمثابرة والإصرار عند والدي كما ذكرت، كانا حجر الزاوية لبناء هذا التقليد في عائلتنا". يمول جيمس أيضا شركة "آدلينس" وهي شركة مختصة في تصنيع العدسات الطبية القابلة للتعديل ذات التكلفة المنخفضة لمصلحة البلدان الفقيرة. كان تشن أسير بعض الإحصائيات، ولكن بعد رؤيته النماذج الأولية للمنتج الذي تم تطويره من قبل جوشوا سيلفر؛ الأستاذ في جامعة أكسفورد، الذي أصبح في نهاية المطاف أحد المؤسسين، شعر بأنه مجبر على الانخراط ــ يعاني أكثر من 150 مليون شخص في جميع أنحاء العالم العيش مع مشكلات تصحيح البصر بسبب عدم معالجتها. يعيش 90 في المائة منهم في البلدان النامية، ولا يمتلك 95 في المائة من الأفارقة الذين يعيشون في جنوب الصحراء الكبرى ويعانون مشكلات في الرؤية، نظارات طبية. وهذا النوع من المشكلات الصحية يكلف الاقتصاد العالمي ما يقدر بنحو 121 مليار دولار. أعجب تشن كمستثمر وصاحب أعمال خيرية على الفور بالتقنية التي طرحها سيلفر، والآثار المحتملة للمشروع على شعوب البلدان النامية الذين يفتقرون إلى هذه التكنولوجيا، ولكن كان أمامه عديد من التحديات. توقع تشن أن يغطي المشروع تكاليفه في غضون سنتين إلى ثلاث سنوات. ولكن بعد استثماره ما يقارب عشرة ملايين دولار أثبت المنتج الأصلي فشله، ليس فقط بسبب التكلفة العالية، ولكن من الناحية الجمالية أيضا، حيث اعتبرت النظارة ضخمة جدا وثقيلة. راجع تشن أفكاره وكان يأمل أن يغطي المشروع تكاليفه خلال عقد من الزمن، وكان يعلم أن إعادة تصميم المنتج ستكلفه ملايين الدولارات مرة أخرى، وأكثر مما كان يتوقع. وأوضح أن الاستثمار طويل الأمد يعد مبررا في حال عاد بالفائدة على المجتمع في نهاية المطاف. اشترت "أدلينس" ترخيصا (طورته في وقت لاحق) لمنتج هولندي جديد يطلق عليه نظام "الفاريز". هذا التصميم المبتكر يتكون من عدستين مصنوعتين من البلاستيك تنزلقان فوق بعضهما بعضا. بإمكان مرتديها ضبط تداخل العدسات من خلال تعديل قرص صغير؛ وبالتالي ضبط معيار العدسة. لم يكن فقط من السهل إنتاجها (وإن لم يكن أقل تكلفة)، ولكن التقنية المستخدمة فيها تجعلها مألوفة بتصميمها المستطيلي الشكل. ومن المزايا الأخرى لها الحفاظ على إمكانية تعديلها بشكل دائم. عند تأسيس تشن مؤسسة "فيجين فور آنيشن"، ككيان مستقل عن "أدلينس"، كرس جهده لدعم البلدان الناشئة لبناء خدمات طبية لصحة العيون وتأمين النظارات بأسعار معقولة. بشكل مبسط، تعد "أدلينس" الذراع التجارية لفكرة تشن؛ فهي تقدم منتجات مبتكرة صممت لتناسب الشريحة المتوسطة الدخل وذات الدخل المرتفع من أجل تحقيق الربحية، في حين أن "فيجين فور آنيشن" مؤسسة خيرية مسجلة، وقد تم تطوير نموذج "اشتر قطعة، وتبرع بالأخرى"، فعند بيع زوج من نظارات "أدلينس"، يمنح زوج آخر، قابل للتعديل أو تقليدي، بشكل مجاني للأشخاص المحتاجين. لم يكن تطوير فكرة "أدلينس" و"فيجن فور آنيشن" بالمهمة السهلة لتشن. فقد استثمر كثيرا من الوقت والمال لتنفيذ المشروع، ولم يتم إثبات مدى استدامته على المدى الطويل. ولكن تشن وعائلته كانوا على استعداد للنظر إلى ما هو أبعد من منطق الربحية على المدى القصير. يحث تشن الذين يمتلكون القدرة على توظيف رأس المال على المدى الطويل على النظر في هذا الخيار. ويشارك قصة توم تيرني، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة بريدجسبان، ومستشار المؤسسات غير الربحية والخيرية، وكذلك المدير العام السابق لـ "باين آند كو"، الذي قال لتشن "ما أدهشني خلال مسيرتي المهنية، أنه يلزمك عشر سنوات لمعرفة إذا ما كنت قد اتخذت القرار الصحيح بتحقيق فكرة وتكنولوجيا جيدة". يقول جيمس إنه كان جليا بالنسبة له أن عليه مواصلة العمل. باعت "أدلينس" العام الماضي 100 ألف وحدة في الدول المتقدمة، وبدأت لتوها العمل في الولايات المتحدة والمكسيك، وهو ما سيدعم مهمتها الاجتماعية في رواندا. يعد جيمس تشين مثالا ممتازا لإمكانية الجمع بين إدارة شركة مربحة مبتكرة، والقيام بعمل يعود بالفائدة على العالم، ولم يفقد تركيزه حتى عندما بدأ في جني ثمار نجاحه.
إنشرها