FINANCIAL TIMES

الأنظار على «جاكسون هول» لمعرفة وجهة الدولار

المستثمرون الذين يأملون في الحصول على شيء يتمسكون به في الأيام الحارة من آب (أغسطس) لا يمكنهم الإخفاق في ملاحظة أحد الأحداث الكبيرة التي قد تعمل إلى حد ما على تحديد اتجاه الدولار.
الندوة السنوية لمسؤولي البنوك المركزية في جاكسون هول في وايومنج، التي ستبدأ خلال أسبوعين، هي دائما حدث لابد أن يشاهده المهتمون بالسوق. كانت ندوة العام الماضي نقطة البداية لاندفاع استمر 19 أسبوعا في مؤشر الدولار -يقيس الدولار مقابل العملات الرئيسة الأخرى يعرف باسم DXY- الذي انطلق بعد تصريحات متشددة من جانيت ييلين، رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
تتوقع السوق مزيدا من الأمر نفسه في هذا العام -لكن ليس من ييلين. بدلا من ذلك يتوقع المتداولون احتمال أن يدق ماريو دراجي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، جرس التراجع بعد مرور أكثر من عامين على التسهيل الكمي.
يمكن لمثل هذا الموقف أن يضيف زخما إلى اليورو الذي ارتفع هذا العام بنسبة بلغت حتى الآن 11 في المائة مقابل الدولار، كما يمكن أن يثير مزيدا من المتاعب بالنسبة لمؤشر DXY، حيث تحتل العملة الموحدة وزنا نسبيا يبلغ 58 في المائة.
ومنذ مطلع العام توقف المستثمرون عن حب الدولار، في الوقت الذي تتلاشى فيه الآمال في تطبيق سياسات من شأنها أن تحفز الاقتصاد الأمريكي. وقال ألان راسكين، من دويتشه بانك، إن تداولات "تضخم ترمب" التي ساعدت على دفع مؤشر الدولار إلى أعلى مستوى له منذ 14 عاما ليصبح بالقرب من 104 في بداية عام 2017 "تتلاشى تدريجيا".
ويبلغ المؤشر الآن نحو 93، أي أقل من المستوى الذي كان عليه في العام الماضي، بعد أن عانى أسوأ أول سبعة أشهر من العام منذ عام 1986. وأضاف راسكين: "لقد كنا في رحلة ذهاب وعودة قاسية".
الأزمة السياسية التي يعانيها ترمب، التي تشمل اضطرابات في البيت الأبيض وعلاقة متوترة مع حزبه، أضعفت قدرته على دفع أجندة التحفيز من المالية العامة والإصلاح الضريبي. وركود السياسة هذا هو أحد أربعة أسباب تجعل الدولار يبقى تحت الضغط، بحسب ما يرى محللون.
ستيفن إنجلاندر من "رفيقي كابيتال"، وهو صندوق تحوط، يقول: "في تشرين الثاني (نوفمبر) استغل الجمهوريون في الكونجرس علاقتهم به لتحقيق النجاح، والآن ليس له أي تأثير في الضغط على الأعضاء ليصبحوا متحدين بشأن إصلاح الرعاية الصحية وغيرها من التشريعات".
ويضيف أن الانقسام الجمهوري والتصلب الديمقراطي يقفان في وجه "أفضل فرصة للإصلاح الضريبي منذ 30 عاما"، والنتيجة هي الدولار الذي يستجيب لموقف "عدم فعل شيء" من الكونجرس والبيت الأبيض.
السبب الثاني هو تأثير الأخبار السياسية السلبية على مشاعر المستثمرين بشكل أوسع تجاه الولايات المتحدة. يقول سايمون ديريك، من "بي إن واي ميلون"، علينا أن ننظر إلى رد فعل العملة في أيار (مايو) عندما تم الإبلاغ لأول مرة عن أن ترمب طلب من جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، إغلاق التحقيق الذي يجريه المكتب في علاقة بين مستشار الأمن القومي السابق، مايكل فلين، وروسيا. بعدها انخفض الدولار مقابل الين بأكثر من 2 في المائة في يوم واحد.
يقول ديريك: "لوضع هذا في السياق، هذا ضمن أعلى 100 تراجع يومي في الدولار مقابل الين منذ صدمة نيكسون".
إنجلاندر يرسم قصة أكثر إثارة للقلق بالنسبة للدولار؛ قصة ترى أن الاضطراب في البيت الأبيض سيبلغ درجة يصبح معها "العرض الوحيد في المدينة هو السياسة"، وتستفيد البلدان الأجنبية من الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب المصالح الوطنية الأمريكية.
السبب الثالث هو أداء الاقتصاد الأمريكي مقارنة بأداء منطقة اليورو. يقول راسكين إن ضعف الدولار ليس له تأثير مادي على الاقتصاد الأمريكي. وإن كان له تأثير، فهو دعم الأرباح، وفي مرحلة ما مساعدة الصادرات. ويضيف أن هناك جانبين لأسعار الصرف، ومنذ أيار (مايو) "كان العنصر الرئيس هو قوة اليورو، وربما هذا أكثر أهمية من ضعف الدولار".
وتشير البيانات إلى تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو وإلى نشاط قوي في التصنيع، مع أدنى مستوى للبطالة منذ عام 2009. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من نمو الاقتصاد الأمريكي 2.6 في المائة في الربع الثاني يركز المستثمرون على التضخم الواهن، إذا حكمنا من خلال أداء الدولار.
بيانات الرواتب الأمريكية المتفائلة لشهر تموز (يوليو) لم تقدم سوى دفعة مؤقتة للدولار، ما يشير إلى أن السوق بحاجة إلى رؤية وتيرة أقوى بكثير لمكاسب الأجور من أجل كسر الاتجاه النازل للعملة.
وتسهم هذه العوامل في السبب الرابع لضعف الدولار: انحسار التباعد في السياسات النقدية مع قرار البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الأخرى التوجه نحو تطبيع السياسة.
يقول راسكين إن الاحتياطي الفيدرالي أوفى على نطاق واسع بوعوده بخصوص أسعار الفائدة. في الواقع، ذهب البنك إلى أبعد مما توقعت السوق قبل الانتخابات الأمريكية. وارتفع الدولار في الوقت الذي ابتعد فيه الاحتياطي الفيدرالي عن البنوك المركزية الأخرى "لكن هذه القصة انقلبت عكس ما كانت عليه".
هنا يأتي دور دراجي. إذا عزز رئيس البنك المركزي الأوروبي التوقعات في جاكسون هول وأشار إلى أن عصر السخاء النقدي من البنك يقترب من نهايته، فإن المتداولين قد يقدِمون على رهانات أكبر اعتمادا على التقارب بين سياسة البنكين المركزيين الأمريكي والأوروبي ما يعزز اليورو ويضر بالدولار.
فكيف يمكن للدولار تحويل الأمور إلى الأفضل؟ أفضل أمل له هو إجراء تصحيح فني. مؤشر الدولار يتجه الآن نحو أدنى مستوى له، المسجل في أيار (مايو) 2016 عند 91.91، وحينها كما يقول محللون، ستكون مراكز العملة في نقطة قريبة من أقصى مستويات عام 2008.
وبحسب راسكين، اختراق هذا المستوى سيكون بمثابة "تصدُّع حقيقي" لدورة الدولار الصاعدة وسيواجه الدولار انزلاقا أكبر، ما يوحي بأن السوق ستقاوم مثل هذا الاختراق.
هذا قد يوقف التدهور، لكنه لا يزال على مسافة بعيدة عن قيادة انتعاش مستدام. وكما يقول مارك تشاندلر، من "براون براذرز هاريمان"، وهو مصرف خاص: "تيار المزاج العام ينقلب ضد الدولار". من غير المرجح لجاكسون هول أن يوقف ذلك.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES